فالعلماء – كما نعرفهم اليوم – بهويتهم المختلفة وزيهم المميز، لم يكونوا معروفين لدينا على الأقل حتى نهاية القرن الأول من الهجرة. فقد قيل إن القاضي أبو يوسف هو أول عالم يصنع لنفسه - وللعلماء الآخرين في المحاكم إبان فترة العصر العباسي - رداءً خاصًا. وتدريجيًا، أصبح هذا الرداء مع بعض التعديلات التي أدخلت عليه هو السمة المميزة لعلمائنا
المقالات الر ئيسية
نحو
رؤية مستقبلية للإسلام
لقد حان
الوقت أن نبلور رؤية مستقبلية
لعالم لا تتاح فيه الفرصة لطائفة
بعينها أن تهيمن دون غيرها على
مجريات الأمور، بل عالم يتوحد
فيه الجميع كأسرة واحدة تعبد
الإله الواحد؛ بهذا المنحى المعتدل
ولطرح رؤية الإسلام قدماً وبشكل
فاعل، بات لزاماً على المسلمين
أن يخرجوا من دائرة تقوقعهم التقليدية.
وإذا لم ندرك أننا أيضا لدينا
رؤوساً تعلو هاماتنا كتلك التي
كانت لأسلافنا، وأن وظيفة رؤوسنا
لا تكمن في وضع القبعة أو الطربوش
عليها؛
ويعتبر موقع "فيوتشر إسلام" بمثابة
دعوة نبوية لفترة ما بعد الحداثة
حتى لو لم يصدر صوتها عن نبي
مرسل؛ ونحن ندرك تماما أن إعادة
توجيه التاريخ إلى مساره النبوي
الأصيل ليست مغامرة سهلة، كما
ندرك أيضاً أنه ليست هناك حلول
أو إجابات معدة مسبقاً للقضايا
بالغة التعقيد التي نواجهها في
عالمنا اليوم، ولا يهدف موقعنا
إلى تجميع الإجابات الممكنة،
ولكننا نصر على إيجاد تلك الحلول؛
بحثًا
عن الصوت النبوي
والأمر الذي يثير مخاوفنا هو
أن الإسلام صار في عصرنا الحالي
مجرد
مشروع مجتمعي.
فالوضع
الإسلامي
الذي قمنا بتطويره على مدار تاريخنا
لا يمثل مجال جذبٍ
لاستقطاب شعوب الأمم الأخرى.
بل على العكس إنهم
ينظرون
إلى الإسلام على أنه
أيدلوجية معادية وتهديد محتمل
على
هيمنتهم.
هذا هو السبب
المنطقي
الأساسي الذي يكمن وراء الحرب
الأمريكية ضد الإرهاب وهذا هو
جوهر
القضية التي يطلق عليها
المفكرون
صراع
الحضارات.
إن قراءة القرآن من جديد بعيدًا
عن
المنطقة العربية دون ربطها بعوامل
الزمان والمكان التي ترتبط بالجزيرة
العربية في عهد النبي
r
لها
علاقة مباشرة
بما سيكون عليه
الإسلام في المستقبل.
وهنا يمكننا استعادة
الصوت النبوي
من جديد.
فيما
وراء حركة الإصلاح الإسلامية
لم تهدف الحركة الإصلاحية إلى
إصلاح الإسلام ذاته، ولكنها هدفت
أكثر إلى تنقيته من العناصر البشرية
والتفسيرية التي ألقت بظلالها
على جوهر الإسلام.
لقد حان الوقت لإخضاع أي وكل جزء من تراثنا
الأدبي للبحث والتدقيق, فليس
هناك شيء بعيدًا نطاق النقد إلا
القرآن والسنة النبوية، كما أنه
ليس هناك أماكن محظورة من المعتقدات
البالية أو قضايا خارج نطاق المقياس
العقلي. ,فإذا لم نخضع التاريخ
الإسلامي بالكامل للبحث الدقيق
فلن نستطيع أن نحدد أخطائنا بدقة.
الخطاب
الإسلامي بين الأصالة والمعاصرة
والخطاب
الإسلامي في مبناه ومغزاه، هو
خطابٌ إنسانيٌ، يهدف إلى الحوار
والتفاهم والتعايش والتعاون مع
جميع الأطراف في المجتمع الدولي
من أجل إشاعة قيم العدل والسلم
والخير، وهو بحكم صدوره عن المرجعية
الإسلامية، ينأى عن العنف والتطرف،
ويرفض الإرهاب بكل أشكاله ويندّد
به في كل المحافل، ويدعو إلى
احترام حقوق الإنسان وصيانتها
ومنع الظلم والعدوان والفساد
في الأرض.
ويترتَّب على تجديد الخطاب الإسلامي
الجامع بين الأصالة والمعاصرة،
تجديد البناء الحضاري للعالم
الإسلامي، بتقوية الذات وتحصينها،
وبالترقي في مدارج العلم والمعرفة
والإبداع في حقولهما، وبنفخ الروح
في التضامن الإسلامي حتى يصير
قوّة للدفع وللتدافع الحضاري،
ومصدراً لإذكاء حوافز التقدم
في الميادين جميعاً.
هل
هناك إمكانية للتنوير من جديد؟
فالخطاب
الإسلامي في عصرنا الحالي الذي
- على حد قول سيد قطب - يسلط
الضوء على "المنطق الوجداني"
قد ضيق المجال أمام أية محاولة
لطرح أي تساؤل عقلاني أو نقدي.
وإذا استخدمنا تعبير من تعبيرات
"كانط"، فقد عزز ذلك بيننا ظهور
حالة من "عدم النضج الطوعي" في
محاولاتنا لفهم الوحي، فرؤيتنا
للوحي هي رؤية من الخبرة الماضية
التي كانت قد أضاءت لنا الطريق
فيما مضى منذ أربعة عشر قرنًا.
في الأغلب الأعم، يعد ذلك مجرد
جزء من هويتنا التاريخية وليس
تجربة ملموسة، فنحن ننظر للقرآن
بوصفه معين لا ينضب لتراث عظيم
من النور وليس كأنه نورٌ في حد
ذاته، نتيجة لذلك، وعلى مدار
العديد من القرون، تعاني الأمة
من حالة مستمرة من التردي، فهي
تتراجع من النور إلى الظلمات.
القضية
الفلسطينية: لو علمنا الحقيقة
وخلال
هذا المنعطف التاريخي، الذي ينشغل
فيه متبعوا التوراة والمؤمنون
بالقرآن في صراع مهلك، ويزعم
كل منهما أنه الوريث الشرعي للأرض
المقدسة؛ يجب على الذين يتقون
الله وتمتلئ قلوبهم بخشيته من
كلا الجانبين؛ والذين يَسمون
بأنفسهم فوق اعتبارات المصالح
الطائفية ضيقة الأفق؛ ولا يسعون
إلا لمرضاة الله – سبحانه وتعالى
– أن يتقدموا للأمام ويدلوا بإسهاماتهم
في ضوء تعاليمهم الدينية وأن
يخلقوا فرصًا للحوار بغية وضع
حد لتلك الحلقة المفرغة من العنف
والخسائر البشرية التي لا نهاية
لها.
غياب
لغة الحوار
وبما
أننا نحيا في القرن الحادي والعشرين
فإنه يتملكنا شعورٌ غير مريحٍ
بأن الذين يتولون شؤون ديننا
هم عظماء الماضي والذين ماتوا
منذ فترة طويلة ولذلك لا يمكننا
إلقاء اللوم عليهم علي عدم معرفتهم
الكافية لعالمنا الحاضر. فنحن
المسلمون - ولقرون عديدة - نعيش
بلا رائد ولا عقل متفتح يساعدنا
على التفاعل. "الإسلام هو الحل"
و"القرآن هو الحل" مجرد شعارات
جامدة، وسوف يظل يُنظر للمسلمين
على أنهم أمة متحجرة انتهى فيها
أي إبداع عقلي.
هل الدين
مجرد مجموعة من الطقوس والأزياء
الاحتفالية؟
إذا
لم نستطع اليوم – رغم وجود القرآن
الكريم بيننا – رؤية أي بصيص
من ضوء الأمل في نهاية النفق
المظلم، فإن هذا مرده إلى الحقيقة
المتمثلة في أننا نعطي العلماء
والفقهاء تقديرًا وتعظيمًا أكبر
مما نعطيه للقرآن الكريم الذي
أنزله الله على خاتم الأنبياء،
وبدلا من أن نقترب مباشرة من
القرآن الكريم، ونضيء عقولنا
بما فيه، اعتبرنا أنه من الضروري
أن نتحقق مما إذا كان اتجاهنا
موثق ومدعوم بأقوال العلماء المسلمين
الأوائل، أما أولئك الذين كان
يجب عليهم أن يدرسوا القرآن الكريم،
فقد حولوا أنفسهم؛ عن طريق شعائر
وطقوس مختلفة، وعن طريق اكتساب
الألقاب الفخمة، إلى مرجعية دينية،
فكانت النتيجة المنطقية هي ظهور
طبقة كهنوتية بين المسلمين.
إعادة
بناء الأمة الإسلامية: ميراث
إبراهيم
إن
محمدًا "صلى الله عليه وسلم"
لم يؤسس أمةً جديدةً؛ ولكنه بدلاً
من ذلك، وبعيدًا عن الهوية أو
الاسم الجديد، فإن حديثي العهد
بالإسلام كان عليهم أن ينأوا
عن أي هوية دينية زائفة –سواءً
أكانت يهودية أو مسيحية – عليهم
فقط أن يكونوا مسلمين كما كان
المسلمون في عهد رسول الله "صلي
الله عليه وسلم".
إن إعادة إحياء مفهوم الأمة العالمية
التي تعبد إلهًا واحدًا ليست
رؤية عادية؛ لأن النداء الجماعي
في قوله تعالى "كونوا ربانيين"
أو الدعوة العامة لعبادة الله
قد خلقت قدرًا هائلاً من القوة
والنشوة. ومادام المؤمنون لا
يزالون مدركين لهويتهم الربانية
فهم لا يرون أنفسهم إلا على أنهم
نقطة التقاء للرسالات الكبرى
السابقة؛ فهم باب مفتوح تلوذ
به جميع الأنفس الباحثة عن العزاء
والسلوى.
هل من
سبيل للخروج من هذا الشرك؟
إن
الأزمة الطاحنة التي يمر بها
المجتمع الإسلامي الآن ما هو
إلا نتيجة حتمية لانغماس تلك
الأمة في الانشقاقات والخلافات
الداخلية. فحينما قدس أتباع هذا
الدين مبدأ الطائفية بدعوى تفسير
الدين انغمسوا بدورهم في فكرة
طائفية العبادة. ويذكر القرآن
أن الله سبحانه وتعالى قد أرسل
جميع الأنبياء بدين واحد وحثهم
على الاعتصام به وعدم التفرق
فيه إلى طوائف
إلى أين
المسير؟
إنّ
عواقب التفسير الفقهي الخالص
للقرآن وإعلان أنّ هذا هو جوهر
الدين تكمن في أن تلك الأمة التي
شرفها الله بمنصب قيادة العالم
وقعت في شرك سيكولوجية المجتمع
المحمدي؛ فبالإعراض عن مشاكل
العالم والتخلي عن فلاح البشرية،
بدأنا نركز اهتمامنا على هوية
ثقافية معينة لأمة قدر لها أن
تكون مسلمة؛ حتى أن فقهاءنا قد
قسموا العالم إلى دار للإسلام
وأخرى للكفر مما قد يعطي الانطباع
بأنه ليس لنا علاقة بتلك المناطق
الأخرى التي ليس فيها سكان مسلمون.
ويرجع السبب في تخلينا عن مسئولية
قيادة العالم في الحقيقة إلى
بعض التفسيرات المضللة للقرآن؛
ومع تقدم الزمان، تزداد الجهل
بالقرآن أكثر وأكثر. وإذا لم
نتدارك أخطاءنا السابقة، فإن
كل خطوة إلى الأمام سوف تحدث
مزيدًا من الالتباسات
المسلمون
في جميع أنحاء العالم يتساءلون
في يأس: متى يأتي نصر الله؟
نحن
لا نملك اليوم سوى بعض الأوهام
عن كوننا أفضل مجتمع مرددين الاعتقادات
الخاطئة عن أفضليتنا عن غيرنا
من الشعوب الآخرى وأصبحنا نعيش
أسرى أمجاد الماضي. وموقفنا الأن
لا يختلف كثيراً عن موقف بني
اسرائيل الذين مازالوا – رغم
حرمانهم من مكانتهم المميزة –
يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار.
وبالنسبة لهم فإن كلمة التقوى
تعني مجرد التمسك بالشعائر الدينية.
ولأن الشعائر الجامدة لا يمكن
أن تنتج شعورًا حقيقيًا بالتقوى،
فهذا هو السبب الذي جعل عودتنا
المزعومة للدين لا تنتج الثمار
المرجوة. وما أكثر المسلمين شديدي
الالتزام والتمسك بكل تعاليم
الإسلام!. وبعد انتهاء النزعة
الاستعمارية، عادت المساجد تزدحم
بالمصلين مرة أخرى، ويزداد عدد
معاهد التعليم الديني يوميًا،
والعودة إلى جذور الدين أصبحت
سمة جلية بين الشباب المسلم في
كل أنحاء العالم. على الرغم من
ذلك، فإن كل هذه المظاهر الخارجية
التي تدل على الرجوع إلى الدين
لم تجعل منا أناس يستحقون نصر
الله. وإذا كنا لا نستحق نصر
الله، فإن هذا يطرح سؤالاً ألا
وهو هل يريد الله حقًا هذا النوع
من العبادة الذي نراه نحن تعبيرًا
حقيقيًا عن تقوانا؟