Home

 

هل من سبيل للخروج من هذا الشرك؟

يقع المسلمون جميعًا اليوم في قبضة الشرك وما ينبعث عنه من شرور، ويكمن السبب الرئيسي في سقوط المسلمين وتخلفهم عن المكانة العليا التي تؤهلهم لقيادة العالم في انحرافهم عن طريق التوحيد القويم. فما ينزل من عقوبات ببعض الأمم التي اتخذت من الشرك منهاجًا لها، وكذلك والطريقة التي ضلوا بها طريقهم في هذه الحياة، يمكن رؤيته بوضوح في الحال التي عليها المسلمين الآن في جميع أنحاء العالم.

وخلال السنوات القليلة الماضية بدا المفكرون المسلمون في حالة ضجر وسألوا أنفسهم عما إذا كان الله قد تخلى عنهم. وبعد ذلك كله، ما السبب الرئيسي الذي جعل دماء المسلمين رخيصة إلى هذا الحد الذي نراه في عالمنا الحالي وكذلك السبب وراء تدنى درجة اعتزازهم بأنفسهم؟ وقد أصبح هذا السؤال ملحا، خاصة في أعقاب الأحداث المرعبة التي نطالعها في أفغانستان والعراق. ونجد الحاجة ملحة لان نسأل أنفسنا، لماذا حجب الله نعمه وفضله عن أصحاب الدين الخاتم؟ هذا السؤال مازال في الواقع في حاجة إلى إجابة مقنعة.

والحقيقة إننا أصبحنا بعيدين عن رحمة الله – مثلنا مثل بني إسرائيل في ذلك - ورغم ذلك مازلنا نوهم أنفسنا بأننا مازلنا أفضل الأمم عند الله على الرغم من أنه يتضح جليا في التقدير الالهى للأمور إننا لسنا من أهل الحل والعقد في هذا العالم. ومما يدعو للأسف أن كل ما نحن فيه من ضلال ينبثق من تديننا الزائف، لذلك لا يصعب على عامة الناس فقط بل وعلى المتخصصين أيضًا إدراك الحقيقة والعمل على إنصافها. كما إننا نزعم أن الأمة برمتها قائمة على الإيمان، أو علي الأقل أن هناك الكثير من الأنشطة التي تحدث في المجتمع باسم الإيمان، لكن إذا ما نظر المرء بعين الواقع فسوف يدرك أن ذلك ما هو إلا وهمٌ عظيم.

فالتوحيد يجمع الإنسانية برباط واحد، بينما يمزقها الشرك إربا. فطريقة التفكير التي يؤيدها ويساندها مفهوم التوحيد تضع في تصورنا فكرة الإله الواحد والبشرية جمعاء ككيان واحد؛ وعلى العكس من ذلك نجد أن الشرك قد أفسد على العقول بهجتها عندما تحرى كل الذرائع لتمزيق البشر إلى آلاف القطع. وهذه الرسالة هي ذاتها التى أرسلت على أتباع الأنبياء السابقين، لكنهم قد مزقوا أنفسهم إلى طوائف صغيرة بتفسيرهم للرسالة السماوية على أهوائهم. ويصرح القرآن بان ظهور النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) قد شهد نهاية الطائفية وإحياءً لمجتمع توحيدي؛ قال تعالى فالف بين قلوبكم(آل عمران: 103)

والشرك له قدرة عجيبة على التوغل في عقول المؤمنين من خلال الإيمان نفسه، وهذا ليس جديدًا في تاريخ الإنسانية؛ فعبادة الشمس والقمر والشجر خير دليل علي الشرك الذي يفهمه أقل العقول إدراكا. ومع ذلك فإن الدعوة إلى الطائفية باسم الدين، أو تقديم تفسيرًا خاصًا للإيمان بالإيمان نفسه، ثم الانحناء احترامًا له، وهو عمل لا تنطوي معانيه على دليل لأحد.

وإذا ما نظر المرء إلى الأمة الإسلامية جمعاء سوف يتساءل عن سبب تصارعها مع نفسها؛ فإذا كان هذا الصراع في بعض الأحوال بسبب اللغة، فإن الكلمات والمراسيم تستخدم في أحيان أخرى كوقود لإشعال فتيل تلك المعركة. فالمسلمون الذين ينتمون لطائفة معينة لا يشعرون بتأنيب الضمير إذا قتلوا مسلمًا ينتمي لطائفة أخرى حتى لو كان هذا أثناء صلاتهم داخل مسجد واحد. والمنتديات الإسلامية التي تعمل في مختلف أنحاء العالم باسم الدين يقتصرون على نشر وجهة النظر الخاصة بالطائفة التي ينتمون إليها، وأحيانا ما يستشهدون بالقرآن الكريم وأحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) ويكون هدفهم الحقيقي من وراء ذلك إثبات أن الطائفة التي ينتمون إليها هى وحدها التي على حق وأن ما عداها باطل، وهذه ليست ظاهرة قاصرة على الهند وحدها، ولكنها موجودة في أي مكان في العالم، ولا تستثنى من ذلك المجتمعات الإسلامية في أوروبا وأمريكا حيث لاتكون الطائفية أقل حدة. وحقيقة، فإنهم قد شغلوا أنفسهم بعبادة المذهب الذي ينتمون إليه، بدلا من عبادة الله. ويبدوا أن الفرقة أو الطائفة التي ينتمون إليها قد استبدلت الإله الذي يعبدونه، واقروا صحة شرح وتفسير الدين الذي يصدر عن شيوخهم وكأنه قد صدر من النبي نفسه. ويشير القرآن إلى مثل هذه الآية في قول الله تعالى: ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيئ(الأنعام: 159)

فلقد تمت صباغة التزامنا بعقيدتنا في الوقت الحالي بطائفية من جميع الأنواع، فإن كافة مدارسنا، المنقسمة على أنفسها، مشتركة في نشر الأفكار الطائفية، كما أن مجتمعنا بالكامل مقسم على أساس مدارس مختلفة من الفكر مثل المدرسة الحنفية والمدرسة الشافعية وغيرها من المدارس. فمن اليسير على المرء أن يدرك بنزعته التي تميل إلى الانقسام، إن الأمة ما برحت منفكة من ذلك الرباط المقدس أو (حبل الله) الذي يربط بينها وبين الله تعالى. فلا يوجد في العالم بأسره من يدعو البشرية لعبادة الله الواحد، وياتى النداء من على كل منبر مسجد ومنبر مدرسة ليدعوا الناس لاتباع طائفة معينة، لأن هذه الطائفة تؤمن بالعقيدة الحقيقية. ولا يدور في خلد هؤلاء الذين ينادون بمثل هذه الدعوات أنهم يقومون بنشر أسوأ أنواع الطائفية باسم الإسلام. ونتساءل عن السبب وراء ذلك، فرغم وجود القرآن، يعتقد التابعون لمختلف الطوائف والمدارس الإسلامية بأنه من الضروري اتباع الكتب التي كتبها قادتهم حتى يتسنى لهم استكمال رسالتهم الدينية! هل لازال من الضروري الاستعانة بالكتب التي كتبها الشراح أو العلماء أو الفقهاء، حتى مع وجود القرآن؟ وقد ذكر القرآن ذلك صريحا في قوله تعالى: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختفوا من بعد ما جاءهم البينت واولئك لهم عذاب عظيم(آل عمران 105)

وبعبارة أخرى، نجد أن القرآن يحذر المسلمين من أن يصبحوا مثل هؤلاء الذين وقعوا فريسة للطائفية، رغم كل النصائح الصريحة التي وجهت إليهم، لأن ذلك سيؤدي إلى العقاب الشديد.

إن الأزمة الطاحنة التي يمر بها المجتمع الإسلامي الآن ما هو إلا نتيجة حتمية لانغماس تلك الأمة في الانشقاقات والخلافات الداخلية. فحينما قدس أتباع هذا الدين مبدأ الطائفية بدعوى تفسير الدين انغمسوا بدورهم في فكرة طائفية العبادة. ويذكر القرآن أن الله سبحانه وتعالى قد أرسل جميع الأنبياء بدين واحد وحثهم على الاعتصام به وعدم التفرق فيه إلى طوائف؛ قال تعالى: ان اقيموا الدين ولا تفرقوا فيه(الشورى: 13)

ولذلك فقد بعثت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لتشمل البشرية جمعاء بما في ذلك أتباع إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام؛ حيث بقي الكثير من الشعائر المشتركة بينهم، وعلى الرغم من ذلك فقد انهمكوا في الممارسات الطائفية باسم الدين. ولقد غالى أصحاب الديانات السابقة في ادعائهم بأن من أراد أن يضمن مكانه في الجنه ما عليه إلا أن يتبعهم، ولذلك فقد طلبوا من الناس أن لا يكونوا إلا يهودا أو نصارى. ولقد عبر القرآن عن هذا المعنى، اذ يقول الله تعالى: وقالوا كونوا هوداً او نصارى تهتدوا(البقرة: 135)

فهؤلاء الذين ينظرون إلى أنفسهم بكل اقتناع على أنهم مسلموا العصر، قد انخرطوا في الحقيقة في معركة جدال فيما بينهم تسننزف قواهم جميعًا. وسوف يدعي بنو إسرائيل أنهم هم الفئة الوحيدة الثابتة على الصواب ويحطون من شأن النصارى، في الوقت الذي يدعي فيه النصارى نفس الشيء. ولقد صرح القرآن بان هذه الطائفية وذلك الاختلاف مناقض للدين وتعاليمه. أما بالنسبة لأتباع الأنبياء السابقين الذين انشغلوا في معركة الاستنزاف هذه ويعانون من ويلاتها، قدم لهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسالته السمحاء التي لا تتماشى مع أهوائهم في أن يكونوا اتباع يهوه أو المسيح، ولكن تدعوهم إلى أن يكونوا ربانيين ولا يتبعون إلا ملته؛ قال تعالى: ولكن كونوا ربانيين (آل عمران: 79) وقال تعالى: ومن احسن من الله صبغة(البقرة: 138)

إن السور الأول التي نزلت من القرآن الكريم كانت تحث مسلمي ذلك الوقت (بني إسرائيل والنصارى) – أي أتباع الأنبياء الأولين – على التحرر من قيود العنصرية، حيث يقول الله جل وعلى: ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما و ما كان من المشركين(آل عمران: 67)

فدعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى التوحيد جعلت مسلمي ذلك الوقت يؤمنون بأن المعتصمين بالتوحيد الخالص لا يمكنهم أبدًا أن يدعوا للنزعة الطائفية، حتى لو كانت هذه النزعة نابعة من أي نبي؛ لأن ما أراده الله لم يكن أن يجعل الناس يهودًا أو نصارى، ولكن ربانيين حقًا.

كيف يتسنى للكتاب الذي لا يسمح بالطائفية، حتى لو كانت نابعة من نبي، أن يسمح لأتباعه بأن يكَّونوا طوائف شتى أو فرقا مختلفة بأسماء قادتهم؟ فلقد قلبنا الآية القرآنية التي تدعونا إلى أن نكون ربانيين "كُونُوا رَبَّانِيِّينَ" رأسًا على عقب، ويجب أن نسأل أنفسنا كيف تسنى لأتباع النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أن يقبلوا بتقسيم مجتمعهم إلى طوائف متعددة مثل الحنفية والشافعية والشيعة والسنة والباريلفي والديوباندي والسلفية وغير ذلك؟ كيف يُعقل أن يتحول الأناس الذين كانوا معروفين بإخلاصهم الشديد لفكرة التوحيد أن يشاركوا في نوع من أسوأ أنواع العنصرية، حتى إنه بدأ يصبح جزءًا عاديًا من حياتهم؟ لماذا لا تستطيع الطوائف الإسلامية المختلفة والمنشغلة بعبادة عقيدتها- وللأسف فهذا دأب معظم المسلمين اليوم - أن ترى التأكيد القرآني الصحيح بأن من اختلقوا الفرق و قسموا أنفسهم شيعًا ليسوا من الرسل في شيء؛ قال جل وعلى: ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء انما امرهم الى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون

 

Home


اطبع  ملاحظات أضف الى المفضلة  أخبر صديقك   
 

 
 

 

 

تنزيل مجانية

 
 

 

 

 

 


Privacy Policy

حقوق النشر، فيوتشر إسلام 2004 جميع الحقوق محفوظة