Home

 

الإسلام في مقابل أيديولوجية الأسلمة

في أوج أيام عزة الإسلام حينما كان رسول الله الخاتم r يعيش بيننا, لم يخطر ببال أحد أن يدعي أنه إسلامي, لكن كانت قمة الخضوع والتذلل وأعلى درجات السُّلم الروحي الذي يمكن أن يرتقيه الإنسان هو أن يكون مسلمًا. إن نبي الله إبراهيم – وهو نموذج لكل الأجيال المسلمة القادمة – قد أُعْطِـي لقب "أبي الأنبياء" فحسب, ثم كان الإسلام اتجاهًا أكثر منه هوية.

إننا اليوم نعيش عصر أيديولوجية الأسلمة, حيث يوجد بيننا من المسلمين من يفتخرون بأن يُدعوا إسلاميين. إن ظهور هذه الطائفة الجديدة بين المسلمين يمكن أن يُعتبر ظاهرة من ظواهر القرن العشرين, وإن وجدت لها جذور في الاتجاه المتعالي للعقلية الفقهية في الماضي. وفي مقابل الإسلام, ظهرت أيديولوجية الأسلمة كدين الله العالمي لكل الأزمان كرد فعل من مسلمي القرن العشرين على الإمبريالية الجديدة؛ فبينما يمثل الإسلام بوابة مفتوحة لكل من يبحثون عن العزاء والسلوى, يُنظر إلى أيديولوجية الأسلمة بصفة عامة على أنها أيديولوجية يمكن أن تعيد بناء الهيمنة الإسلامية. وتقتصر جاذبية أيديولوجية الأسلمة على المسلمين, بينما تستقبلها بقية شعوب العالم على أنها تهديد, وبينما مازالت أيديولوجية الأسلمة تـُعْـتبر سلاحًا قويًّا في أيدي المسلمين مازالت هناك حقيقة قائمة تقول إنها لم تقدم للمسلمين سوى نذر يسير.

ومما لا شك فيه أن أيديولوجية الأسلمة - كحركة قومية – قد لعبت دورًا مهمًّا في الماضي ولا تزال تعطي زخمًا لحركات الكفاح التحرري في الشيشان وأفغانستان والعراق على سبيل المثال, لكن إذا نظرنا إليها على أنها حركات قائمة على التعاليم النبوية فسيجافينا الصواب؛ فالإسلام وأيديولوجية الأسلمة وإن كانا يبدوان متشابكين في بعض الأحيان إلا أن جوهر كل منهما يختلف عن الآخر؛ فكلاهما له أيديولوجية تختلف عن الآخر اختلافًا بيِّـنًا. وبإيجاز شديد, إن أيديولوجية الأسلمة هي أيديولوجية قومية نمت بين المسلمين, وهي في أحسن أحوالها تخاطب المسلمين وحدهم وتشترك في قليل مع الإسلام المستمد من التعاليم النبوية والذي يضمن مستقبلاً أفضل للإنسانية جمعاء سواء في الحياة الدنيا أو في الآخرة.

وقد ألقت اليوم صدى النغمة القومية لأيديولوجية الأسلمة بظلالها على الشكل الحقيقي للإسلام. ففي هذه الحقبة من التاريخ التي تنظر وسائل الإعلام العالمية فيها إلى الإسلام على أنه شيطان وإلى كل مسلم على أنه إرهابي محتمل فليس من اليسير أن نعزل أنفسنا عن الصدام الحضاري القائم, ولا يحتاج الأمر أقل من واحد في قدر نبي حتى يشكلنا بالطريقة التي تجعلنا أوصياء على رسالة الخلاص للناس كافة. إن القومية الإسلامية أو أيديولوجية الأسلمة كما نسميها لا يمكنها أن تفعل شيئًا أكثر من إضافة مزيد من الوقود إلى النار. والراجح أنه قد حان الوقت لنمعن النظر في أيديولوجية الأسلمة, فلا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أن أيديولوجية الأسلمة قد خلقت سيناريو كئيبًا في الدول ذات الأغلبية المسلمة مثل الجزائر وتونس ومصر والتي أعطى الإسلاميون فيها أنفسهم – دون غيرهم – الحق في تأويل أوامر الله, وقام الإسلاميون بشن حرب على بلدهم. إن إراقة الدماء على نحو يقصد من ورائه إحداث تغيير سياسي قد شكك إلى حد بعيد، ليس في طريقة أدائهم فحسب، ولكن في طبيعة أيديولوجيتهم الإسلامية كذلك. ففي أثناء الحملة الانتخابية الجزائرية عام 1991 لقد ادعى علي بلحاج الحق الوحيد في تأويل الإسلام وتطبيقه وذلك في الانتخابات التشريعية - التي كان متوقًَعًا أن يفوز فيها – "وهي آخر انتخابات تشهدها الجزائر". هذا الزهو بالنفس الذي يصبغ الإسلاميين المعاصرين, وإن بَدَوا على خلاف ذلك أنهم ديموقراطيون, له جذوره في أوساط الفقهاء في الماضي, وهي نقطة سأعود إليها فيما بعد.

إن ظهور طائفة متدينة بين المسلمين ليس ظاهرة يُلام عليها من يُوصَفون بأنهم إسلاميين, فنظام الحكم الطالباني في أفغانستان قد شهد إحياءً لكثير من المصطلحات الدينية التي كانت تستخدم في صدر الإسلام وكان الملا عمر يفضل أن يدعو نفسه "أمير المؤمنين", وهناك أيضًا كان المسلمون يُحْـملون على الاعتقاد بأن الفقه الحنفي – كما يتراءى لطائفة الدوبند - هو الشكل الحقيقي للإسلام. وقد خلق هذا الجو للعلماء والمسلمين الذين ينتمون لمذاهب فقهية أخرى غير الدوبند وضعًا خانقــًا، ولطالما نادوا بسقوط النظام. إن فشل الإسلاميين المعاصرين في تأسيس نظام إسلامي سياسي يكمن في نظرتنا الفقهية المنقسمة تجاه الإسلام. وبالرغم من أن الإسلاميين قد بذلوا جهدهم في تقريب الفوارق الفقهية بين المسلمين إلا أنهم لم يدركوا أنهم بتكوينهم تنظيمات كثيرة في الكيان السياسي للإسلام قد مهدوا الطريق لمزيد من التفسخ للإسلام ذاته؛ ففي مصر وحدها على سبيل المثال, أدى انشقاق كثير من الأفراد عن الإخوان المسلمين على مدار سنين عدة إلى تكوين شراذم عديدة من الجماعات حتى أضحى الموقف فوضويًّا بحيث إن بعض هذه الشراذم من الجماعات اتهمت إخوانها من الإسلاميين بالخيانة حتى وصل الأمر إلى إهدار دمهم.

هذا, وإن بدا الإسلام والغرب اليوم على خـَـطَّي تصادم إلا أن التهديد الحقيقي للإسلام والمسلمين يأتي من الداخل, فبلوى الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق ليست هينة لكن الأكثر إزعاجًا هو حقيقة أن أوصياء رسالة الله الخاتمة عاجزون حتى عن ترتيب بيتهم من الداخل وإن كان لا يُعْجزهم إنقاذ العالم من المكائد الإمبريالية. ومع ذلك لا ننكر أن تحالف الشمال في أفغانستان قد لعب دورًا محوريًّا في سقوط نظام طالبان وكذلك لولا الانقسام الشيعي السني في العراق لما وجدت قوات الاحتلال سهولة في تمديد بقائها هناك. إن أساس المشكلة يكمن في داخلنا, إنه التقسيم الفقهي العميق للأمة الذي جعل من المستحيل بالنسبة لنا أن نكوِّن جبهة متحدة في وجه أي اعتداء خارجي, فعلى مدار تاريخنا الممتد لأربعة عشر قرنًا ما استطاع أحد أن يهزمنا إلا نحن!

إن أزمتنا كأمة إسلامية هي أزمة مزدوجة؛ فالخصومات الداخلية قد أغرت الأمم الأجنبية بأن يُخضعونا ويحتلوا أراضينا, لكن ما يقُضُّ مضاجعنا هو أن الموقف يبدو لا بُرْء منه, فإننا جميعًا على غير وعي بهذا المرض الذي أصابنا. وبخصوص حقيقة أن انقسامنا الفقهي غير جديد وأن أحدًا من الماضي لم يستطع أن يستجمع شجاعة في استئصال هذا الخلاف, فإن كثيرين منا يعتقدون أن العودة إلى صفاء الإسلام وتحاشي المذاهب الفقهية ربما يكون أمرًا معياريًّا لكن غير ذي جدوى. في الحقيقة, إننا تعايشنا مع المذاهب الفقهية الأربعة المتنازعة عبر قرون مضت وقبلناها عبر تلك السنوات كأصوات شرعية معبرة عن الإسلام لدرجة أن أي رجوع عن منهجها يبدو لنا كأنه هدم للإسلام ذاته.

لقد قام النبي الخاتم محمد r بتجديد الإسلام – الذي هو دين أبي الأنبياء إبراهيم r - في الذاكرة البشرية لكل الأجيال القادمة, وقد وُضِّح ذلك الأمر وحفظ كوثيقة في القرآن وأخذ شكلاً معياريًّا أثناء حياة النبي r. إن ظهور الفقهاء والمُحَدّثين في القرون التالية كان نتيجة طبيعية لتأكيد النبي r ورفعه لشأن العلم, لكن لا يمكن اعتبارهم أركانـًا مؤسسة للإسلام ولا أن تأويلهم للدين يمكن أن يملك مفاتيح كل العصور التالية, وما كان لأئمة الفقه الأربعة - الذين ننظر إليهم اليوم على أنهم حقائق مسلمة – أن يصلوا إلينا لو لم ترعَ الدولة مذاهبهم الأربعة المتنازعة على عهد السلطان بيبرس الملقب بالملك الظاهر (1260-1277م), لقد كان القرار سياسيًّا من الدرجة الأولى لسحق الاضطراب الاجتماعي الذي مزق مصر وأدى في النهاية إلى انقسام دائم للأمة. إن الحرم المكي, وهو ملتقى الوحدة الإسلامية, كان يشهد على مدار خمسة قرون أربع صلوات في وقت واحد طبقًا للمذاهب الأربعة, وما عادت وحدة الصلاة في الحرم المكي إلا في وقت متأخر على أيدي قبائل البدو في نجد تحت حكم القيادة السياسية للملك عبد العزيز, مؤسس المملكة العربية السعودية المعاصرة. إن الانقسام الفقهي العميق للأمة, والذي نعتبره اليوم مُسَـلــَّمة ليس جزءًا لا يتجزأ من الإسلام الموافق للتعاليم النبوية, إنه يحتاج إلى إرادة فكرية وسياسية حتى توضع الأمور في نصابها الصحيح وللأبد. تخيلوا أنه على مدار ما يقرب من خمسة قرون عندما كان يتعين على المسلمين أن ينقسموا في الصلاة في الحرم المكي لم يكن العلماء الواعون بيننا من الندرة بحيث استشعروا أن العقلية الفقهية قد مزقتنا شر ممزق. حقًّا لم تكن لديهم الشجاعة الفكرية ولا الإرادة السياسية التي كانت للحركة السلفية في مطلع القرن العشرين في الجزيرة العربية. إذا كانت القبائل البدوية في نجد قد استطاعت بإرادة سياسية خالصة أن تستأصل الانحراف الذي ظهر على مدار قرون مضت، فلماذا يعجز المصلحون المعاصرون في وضع نهاية لشتاتنا الفقهي الذي امتد على مدار قرون مضت؟ روى "ولي الله الدهلوي" في رسالته المسماة "الأسباب في بيان الاختلاف" طرفًا مثيرًا في هذه الحلقة:

(يقول أبو زرعة) سألت أستاذي الشيخ البلقيني ذات يوم ما الذي أوقف الشيخ تقي الدين السبكي عن فهم الاجتهاد... كان في البداية غير راغب في الإجابة, وعند ذلك قلت إنه طبقًا لما أعلم فإن ذلك كان راجعًا للمناصب السياسية التي كان يتقلدها الفقهاء من المذاهب الأربعة, ولو تجرأ أي شخص أن يذهب لما وراء حدود "التقليد" فلن يظفر بشيء, بل إنه سيُحْرم من أي منصب في المحكمة. إن عامة الناس لا يقتربون منه طبقًا لأوامر سامية ووسموه "بالمبتدع". (قال أبو زرعة) إن الإمام البلقيني عند سماعه ذلك ابتسم واتفق معي في الرأي.

طالما بقي مفكرونا وعلماؤنا راضين مبتسمين عن شتاتنا الفكري فإن الأمل في الإصلاح يبقى ضئيلاً.

 

Home


اطبع  ملاحظات أضف الى المفضلة  أخبر صديقك   
 

 
 

 

 

تنزيل مجانية

 
 

 

 

 

 


Privacy Policy

حقوق النشر، فيوتشر إسلام 2004 جميع الحقوق محفوظة