|
فيما وراء حركة الإصلاح الإسلامية
من مكة إلى واشنطن العاصمة،
وكلمة الإصلاح
الإسلامي هي الكلمة الرنانة التي
تجري على الألسن وتتلفظ بها
الأفواه. وعلى الرغم من أن حركة
الإصلاح ليست جديدة على الإسلام،
إلا أن الصرخة القوية لإصلاح
البناء الإسلامي من الداخل لم تصل
أبدًا إلى هذه الدرجة من الحدة.
وعلى الرغم من أن الإصلاح يرتكز
على جذور إسلامية إلا أن الضغط
الخارجي للقيام به قد ألقى بظلال
من الشك على طبيعة الإصلاح ذاته،
كما أن هناك بعض المفكرين في
الغرب ممن لا يهدف دفاعهم عن
الإصلاح إلى جعل الإسلام مواكبًا
بصورة أكبر لعصرنا الحالي وإنما
يهدف إلى ترويضه بغية خلق نموذج
من الإسلام يكون مناسبًا للإطار
الغربي الليبرالي، تمامًا مثلما
فعلوا مع المسيحية واليهودية. ولو
شعر أتباع الإسلام بالراحة في
التحصن بالرأسمالية الإنجيلية،
فمن المفترض أن يفقد الغرب أكثر
أعدائه مهابة.
وهناك مجموعة أخرى من المصلحين
تضم علماء الإسلام الذين تلقوا
تعليمهم في الغرب، هذا النوع من
المفكرين المسلمين ينظرون إلى
أنفسهم على أنهم امتدادًا طبيعيًا
لكبار الإصلاحيين السابقين أمثال
ابن حزم،
وداود الظاهري، وابن تيمية، وأبو
حامد الغزالي، ومحمد بن عبد
الوهاب،
وولي الله الدهلوي وأمثالهم.
ويحتج هؤلاء المفكرون بأنه إذا
كان المسلمون في الماضي قد وافقوا
على القيام بعملية إصلاح البناء
الإسلامي، فليس ثمة سبب للاعتراض
عليها في ظل الموقف الجديد. ومع
ذلك، يظل السؤال الكبير بلا
إجابة، حيث إنه إذا كان مصلحونا
في الماضي لم يتمكنوا من تحقيق
النتيجة المرجوة،
فكيف يضمن المرء تحقيقها
اليوم على أيدي المصلحين الجدد؟
فعلى مدار القرون العديدة
الماضية، والمصلحون المسلمون
ينادون بالعودة إلى القرآن والسنة
من أجل إعادة تشكيل النظرة
العالمية السيئة عن الإسلام. ومع
ذلك، لم تلح في الأفق حتى الآن
أية بادرة للعودة لنقاء الإسلام
الأصيل. إن علينا أن نركز
اهتمامنا على العراقيل التي
اعترضت سبيل خروج كل مبادراتنا
إلى حيز التنفيذ. ويوجد أمام
المصلحين الجدد مهمة ذات شقين،
الأول: التحديد الدقيق لأسباب
إخفاق أسلافنا، والثاني: هو
ابتكار منهج قابل للتطبيق وخلق
وسائل مناسبة لإعادة اكتشاف
الإسلام في صبغته الأصلية مع
تجاوز النظرة التاريخية للإسلام
والتفسيرات البشرية التي أحاطت به.
إن الحوار المفتوح الذي يطرح
تقريبا كل كبيرة وصغيرة للنقاش
تحت مظلة النموذج القرآني الحقيقي
يحمل وحده الأمل بإمكانية إعادة
اكتشاف روح الإسلام العظيمة والتي
إذا ما أميط عنها اللثام اليوم
بشكل صحيح اليوم يمكنها خلق حركة
إصلاحية لم يسبق لها مثيل.
وقبل أن نمضي قدمًا في مواصلة
حديثنا، اسمحوا لنا أن نعترف
اعترافًا صادقًا؛ إذا كان مصلحونا
الأوائل قد أخفقوا في اكتشاف جوهر
الإسلام من جديد، فإن السبب في
ذلك يرجع أساساً إلى أنهم رغم
رغبتهم القوية في الرجوع بالزمن
والمكان إلى المدينة المنورة في
عهد النبي
r – إلا أنهم فشلوا في إدراك أن الرحلة كانت تتطلب منهجًا
جديدًا من البحث والتحقيق، فلقد
أرادوا العودة إلى الإسلام النقي
مستخدمين منهج الفقه النابع من
اختيارهم. وعلى الأرجح أنهم قد
افتقروا إلى الشجاعة اللازمة لنبذ
الأفكار التاريخية البالية
والرواسب الفكرية المتراكمة عبر
قرون من الحركات التفسيرية، كما
اعتبروا أن إخضاع كبار الفقهاء
ومناهجهم للبحث الصريح "مناطق
محظورة" من الأنسب أن تُترك خارج
نطاق مناقشتنا، وأصبح من الضروري
كي تكون مسلما أن تكون حنفيًا أو
شافعيًا مثلاً. وببساطةٍ صار لا
يمكن تصور الإسلام بمنأى عن رواده
أو فقهائه العظام، حتى أن إقبال
شاعر وفيلسوف المشرق- والذي يبلغ
درجة المجتهد بفضل تميزه كعالم من
علماء القرآن- وجد أنه من الأفضل
التمسك بالمذهب الحنفي، حيث أعلن
ذات مرة أنه من أجل التطبيق
العملي قد اتبع الفقه الحنفي.
وسواء كان مفسرو القرآن ذائعي
الصيت أو غيرهم من أصحاب الإصلاح
الإسلامي،
فإنه لم يكن ممكنا بالنسبة لهم
تشكيل هوية إسلامية دون إلباسها
هذا التاج الفقهي، وبذلك ظلت
النظرة إلى الغاية القرآنية من
جديد، والعودة إلى الرؤية
العالمية القرآنية الشاملة شيئا
بعيد المنال. ومع ذلك، ظل السؤال
المزعج الذي يطاردنا: لماذا نجد
أنفسنا اليوم على هامش التاريخ
رغم أننا أخر الأمم التي قُدر لها
أن تقود البشرية حتى نهاية
العالم؟
واليوم وبلا ريب، تتمتع حركة
الإصلاح الإسلامية بفرصة أفضل
لعدة أمور: أولا، بات من الجلي
لنا أن المنهجية الفقهية البالية
ووسائل التدقيق التي عفا عليها
الزمن لا يمكنها أن تمنحنا الفهم
الصحيح للحقائق المتغيرة. ثانيا،
إن حركة النهضة الإسلامية التي
انطلقت بصخب من الأراضي الإسلامية
ثم صُدرّت فيما بعد إلى الغرب قد
أخفقت بشكل يرثى له، فالضرب على
نفس الوتر أو الاستعانة بنفس
المنهجية لا يمكنه بأي شكل من
الأشكال أن يضمن مستقبلاً. ثالثا،
بما أن الأشياء تغيرت من حولنا
تغيرا جذريًا، فإن خلق عالم واقعي
على شبكات الإنترنت والقول بأن
العالم أصبح قرية صغيرة قد أكدا
أيضًا على أنه لا يمكن لأية
استراتيجية تقوم بمعزل عن العالم
أن يكتب لها البقاء في المستقبل،
كما أنه لم يعد ممكنًا لأي دين أن
يعمل لخلاصه بمعزل عن العالم.
رابعًا، يجب أن يدرك المفكرين
المسلمين في العصر الحالي أنه إذا
كان من يقوم بالتخطيط
للاستراتيجيات الإسلامية يفتقرون
الآن إلى التوجيه والقيادة، فإن
السبب الأساسي في ذلك إنما يرجع
إلى أن شكل الإسلام الذي توارثناه
كان نتاج التاريخ أكثر من كونه
ثمرة من ثمار الوحي الإلهي. إن
التخلص من الشوائب البشرية
والتاريخية يعد أمرًا ضروريا إذا
أردنا أن نحقق نفس النتيجة التي
حققها الوحي السماوي في عهد
النبي. خامسًا، أثرت الحياة في
عالم الإنترنت الذي لا حدود له
بشكل إيجابي في قدرتنا على إدراك
المجتمع. ولأننا أتباع النبي
الخاتم الذي أرسل للناس كافة،
فنحن نأمل من أعماق قلوبنا أن
نصبح أمة عالمية تحتوي الإنسانية
كلها وتعمل على إصلاحها قاطبة،
ولكننا وحتى الآن نجد أنفسنا داخل
سياج من الحصار النفسي صنعناه
بأيدينا، وهو طائفة الأمة
المحمدية. والآن، أدرك علماء
الإسلام ومفكريهم أن حياتهم
المنعزلة لقرون طويلة في دار
الإسلام المفترضة، وقصر أنفسهم
على المشاركة في المشروعات
الاجتماعية قد حرمتهم من الوصول
إلى النموذج النبوي الحقيقي مصدر
الرحمة والخير للجميع. واليوم،
أصبح هذا التحول للأمة من أمة
عالمية إلى مجرد طائفة قضية تخضع
للبحث الجاد، وظهرت حاجة ماسة إلى
النظر إلى الغاية القرآنية من
جديد وإعادة تشكيل الرؤية
الإسلامية العالمية. ووسط هذه
الآمال والتفاؤل يكمن الخطر؛ حيث
إنه إذا لم توضع منهجية سليمة،
فإن فرصة النظر إلى الإسلام في
صبغته الحقيقية من جديد ربما تنسل
من بين أيدينا تاركة الإنسانية
بلا وجهة تهتدي إليها لقرون عديدة
قادمة.
منهجية
الإصلاح
لم تهدف الحركة الإصلاحية إلى
إصلاح الإسلام ذاته، ولكنها هدفت
أكثر إلى تنقيته من العناصر
البشرية والتفسيرية التي ألقت
بظلالها على جوهر الإسلام؛
فالإسلام رسالة سماوية ولكن
المفارقة تكمن في أن هذه الرسالة
لابد أن يفسرها العقل البشري.
إننا لسنا ضد تدخل العقل البشري
لتفسير الرسالة، بل على العكس
إننا ننادي بجعل هذا التدخل عملية
مستمرة. لقد قام علماء الماضي
بمهمتهم على أكمل وجه وقد جاء
دورنا الآن لكي نرسم خطوط حركة
التنوير الخاصة بنا، ولابد من
نقطة انطلاق جديدة مغايرة لنهج
العلماء في الماضي إذا ما أردنا
تجنب الزلات التي وقع فيها
المصلحون السابقون. ونورد هنا بعض
الاقتراحات لعمل هذا:
1-
يجب على المصلحين
الجدد أن يتجنبوا استخدام
المصطلحات الرنانة مثل "الإصلاح"
أو "التنوير"؛ فهناك خطر حقيقي
يكمن في أن حركة الإصلاح قد
اندثرت في طي هذه الدلالات
التاريخية والثقافية التي توحي
بها هذه المصطلحات. وفي الغرب،
تعني عملية الإصلاح الفكاك من
هيمنة الكنيسة وتفادي التصادم
المباشر مع الفكر العقلاني. وهذا
الموقف ليس له وجود في التاريخ
الإسلامي؛ فقد كان كل من أحبار
الإسلام والصفوة الحاكمة يواجهون
باستمرار معارضة منظمة اعتمدتها
الشريعة. إن من يطالب بظهور
لوثر أو كالفن بيننا
من جديد ليسوا على دراية بالتاريخ
الإسلامي ورسالة القرآن التي تدعو
إلى الحرية. ونفس الشيء ينطبق على
مصطلح "التنوير
" فقد ألقى كل من ماكس
هورخيمير وثيدور أدورنو
اللوم على حركة التنوير في يوم
المحرقة. كذلك وجه أشعيا برلين
نفس الاتهامات إلى الاتجاهات
الديكتاتورية المتمثلة في حركة
التنوير والتي لم تؤدي فقط إلى
يوم المحرقة ولكنها أسفرت عن
الطغيان الشيوعي الذي تمثل في
معسكرات "الجولاج". إن فصول القصة
لا تنتهي عند هذا الحد؛ ونتيجة
لتجربة التنوير الغربية، اعتقد
بعض كبار مفكري الغرب أمثال:
جيفرسون وكانط وهيوم
بأفضلية الجنس الأبيض المزعومة.
وقد تسببت هذه الحركة التنويرية
في النهاية في خلق "الرجل الأبيض
الأحمق" وزودته بمبرر إيديولوجي
وعلمي لكي يستعمر "الآخر". لذا
ينبغي أن يتوخى المصلحون الجدد
أقصى درجات الحذر عند تناول مثل
هذه المصطلحات.
2-
مما لاشك فيه أن
لوثر الذي أثر على الفكر
المسيحي على مدى كل العصور
اللاحقة قد أثار الجدل حول ضرورة
أن يكون الكتاب المقدس هو الحجة
النهائية، حيث إن مبعوث الله يجب
أن يتبوأ مكانة أعلى من أي مبعوث
بشري غير معصوم من الخطأ. وفي
القرون الوسطى، كانت هذه الفكرة
فكرة إصلاحية في ظل السياق
المسيحي. ونحن لا نراه الاستفادة
من تجربة لوثر أمرًا
مخطئًا، ورغم ذلك، لا يجب أن يغفل
المصلحون المسلمون المعاصرون
حقيقة أن القرآن ليس مجرد كتاب
مقدس بالمعنى النصراني للكلمة،
ومن هنا لا يجب أن نتعامل معه كأي
كتاب آخر. فكل كلمة من القرآن
نزلت محددة وحُفظت بلغتها الأصلية
بنفس الطريقة التي نزلت بها على
نبينا محمد
r. إن إصلاح الإسلام من الداخل ما هو إلا إزالة العناصر
التفسيرية البشرية فيه وليس
الإسلام ذاته.
3-
عادةً ما كان
ينظر علماء الإسلام إلى العقل على
أنه ضد الوحي؛ حيث اعتقدوا أن
المعرفة العقلانية والمعرفة
الإلهية لا ينبعان من نفس المصدر،
لأن المعرفة العقلية تعتمد على
المشاهدة بينما تعتمد المعرفة
الإلهية على الوحي. ودائمًا ما
يولي علماء الإسلام أهمية للمعرفة
الإلهية أكثر من المعرفة القائمة
على المشاهدة. وعلى العكس من هذا
الاتجاه، يحث القرآن، كمنبع أساسي
للمعرفة الإلهية، المسلمين على
التفكر والتدبر، بل ويريدنا
القرآن أن نضع أساس المعرفة
الإلهية على التفكير العقلاني. إن
القرآن ذاته هو خطاب عقلاني يحثنا
على أن نكون متأملين أكثر من
كوننا عقائديين. حتى أن أكثر
المعتقدات الأساسية للإسلام مثل
وحدانية الله والإيمان بالدار
الآخرة وشفاعة النبي محمد
r لا تنفصل عن هذا الخطاب. وهذا نوع من
التقسيم للعقل البشري الذي كلفه
الله
U، رغم أنه محدود، أن يفهم حدود الكون بما يؤدي إلى فهمه
المستنير للخالق
I. ومن الممكن جدًا أن نرتكب كثيرًا من الأخطاء ولكن يجب أن
نتعلم منها في نفس الوقت. لقد كان
كبار العلماء والفقهاء السابقين
بشرًا مثلنا. فلا غرو إذًا أن
يكونوا قد ارتكبوا أخطاءً أو إذا
لم يكونوا قد تمكنوا من وضع تصور
لقضايا عالمنا المعاصر في كتبهم
الفقهية. فليس من المفترض بنا أن
نتحمل وزر أخطاء الآخرين، فنحن
لدينا ما يكفينا من الأخطاء.
4-
إن التقليد، أو الإتباع الأعمى،
وحركة الإصلاح لا يمكن أن يسيرا
جنبًا إلى جنب، كما لا يمكن لهما
أن يمهدا الطريق سويًا أمام حركة
التنوير. وبالطبع، ليس هناك أي
ضرر محتمل إذا تعلمنا من رواد
الماضي، لكننا في نفس الوقت يجب
ألا نتمسك بالحصول على نفس
النتائج، لأننا إذا كنا سنضع في
أذهاننا منذ البداية أنه يجب
علينا التوصل إلى نفس النتائج
التي توصل إليها السابقون، فلن
تكون حركة الإصلاح إلا إهدارًا
للوقت واستنفاذًا للطاقات
وتقليدًا أعمى للماضي. أما إذا
أطلقنا العنان للعقل القويم
والقلب السليم في هذا الأمر، فسوف
تكون لدينا المقدرة على فهم الوحي
كما فهمه السابقون، كما أنه يجب
أن نضع في اعتبارنا أن المعرفة
الإلهية والمعرفة التي تقوم على
المشاهدة لا يتعارضان أبدًا، ولكن
كلاهما مكمل الآخر؛ فالمعرفة
الصحيحة معرفة تأملية مبينة على
المزج بينهما. إنها معرفة أكثر من
معرفة البوذيين بالبوذية والتي
يطلق عليها عموما حركة التنوير.
فالمعرفة التأملية ليس لها أصل
عقائدي أو اتجاه محدد كما تتصف
حركة التنوير الغربية التي تمتد
غايتها المنطقية إلى ما بعد عصر
الحداثة.
5-
كان هناك بعض "المناطق المحظورة"
أو بعض القضايا الحساسة التي لم
تتعرض للبحث حيث اعتبرها المصلحون
في الماضي أمورًا لا ينبغي الخوض
فيها. فعلى سبيل المثال، كلنا
يعرف أنه بسبب وجود مدارس فقهية
مختلفة قد أودى بالأمة إلى التمزق
من الداخل، ومع ذلك لم يتجرأ أحد
على أن يتحدى تلك النسبة الكبيرة
من تشريعات المدارس الفقهية
المتنوعة؛ فقد أرادت كل مدرسة
فقهية تحقيق وحدة إسلامية شاملة
داخل الإطار الفكري الموجود، حتى
أن البعض قد جعلنا نعتقد أن مدارس
الفقه الأربعة في المذهب السني
أمرًا سماويًا يعطينا الاختيار
بينها. وهذا لا يختلف كثيرًا عن
المفهوم المسيحي الشائع عن أن
كتابات بول التي تمثل الآن
جزء من القانون الكنسي هي وحي
إلهي. إن المصلحين الجدد أمامهم
مهمة شاقة، إنهم في حاجة لوضع هذا
التراث الأدبي كاملاً تحت البحث
الدقيق. وأي إلقاء على أي شخص أو
أي تفسير من تفسيرات العلماء، غير
الوحي الخاتم الذي جاءنا به النبي
r،
لا يمكن أن تكون قاعدة في القانون
الإسلامي. وإذا لم يكن لدينا
القدرة على إحداث تغييرات جوهرية
للتقسيم الفقهي واستئصال القوانين
الفقهية الغريبة لأحبار الإسلام،
فإن العودة إلى جوهر الإسلام سوف
تظل أمرًا بعيد المنال.
6-
لقد حبسنا أنفسنا منذ قرون في سياج من
الحصار النفسي الذي صنعناه
بأنفسنا. إننا كأمة إسلامية قد
عهد إلينا قيادة العالم، ولكننا
آثرنا أن نجعل من أنفسنا أمة
محمدية أو أمة محمد
r.
فقد كان من المفترض فينا أن نكون
مصدرًا للرحمة لكل البشرية ولكن
ظهور الفكر الطائفي بيننا قد جعل
من الصعب علينا امتلاك نظرة
ثاقبة، فقد جعل هذا السياج النفسي
الأمة الإسلامية تثور من الداخل.
وبالركون إلى بعض الأحاديث
الموضوعة المنتشرة بيننا، اعتقدنا
أن النبي محمد
r,
المبعوث رحمة للعالمين ونذيرًا
للناس أجمعين كما وصفه القرآن
الكريم, كان قلقًا على أمته فقط
وأن آخر كلماته التي نطقها على
فراش الموت كانت " أمتي, أمتي".
فالأساس الذي أرساه القرآن الكريم
كمبدأ عالمي حين قال " كلمة سواء"
يتطلب منا أن نقوم بنبذ العقلية
الانعزالية. فأي وكل جهد فردي
لخلق عالم أفضل يستحق اهتمامنا,
فهناك الكثير من أمور الأجندة
التي تستحق مشاركتنا الفعالة.
7-
لقد حان الوقت لإخضاع أي وكل جزء من
تراثنا الأدبي للبحث والتدقيق,
فليس هناك شيء بعيدًا نطاق النقد
إلا القرآن والسنة النبوية، كما
أنه ليس هناك أماكن محظورة من
المعتقدات البالية أو قضايا خارج
نطاق المقياس العقلي. ,فإذا لم
نخضع التاريخ الإسلامي بالكامل
للبحث الدقيق فلن نستطيع أن نحدد
أخطائنا بدقة.
8-
إذا لم يتطابق الإجماع أو العرف
مع النظرة القرآنية الشاملة
للعالم، فيجب أن نتجاهل هذا
الإجماع, فربما يكون الإجماع
مجازًا مخطئًا، وما من إجماع على
قضية فردية ما لم يعتمد في المقام
الأول على القرآن والسنة النبوية.
وأي إجماع بدون مخاطبة للعقل لا
يمكن أن يتمتع بالشرعية على
الإطلاق. فالاعتقاد بأن إجماع
العلماء السابقين على بعض القضايا
يجري على كل العصور وأن باب
النقاش قد أغلق في هذه المسألة ما
هو إلا نتاج العقلية العبودية
الصاخبة التي شجبها القرآن
الكريم.
9-
تعتبر كلمات الله تعالى (أي
القرآن) والآراء الحكيمة لعلمائنا
الأجلاء أمرين مختلفين تمامًا.
فبينما تتطلب الأولى تقديرًا
أزليًا تعد الثانية أمرًا بشريًا,
وبمعنى آخر فإن مقاصد الشريعة كما
شرحتها كتب الفقه ربما لا تتطلب
نفس درجة التقدير التي منحت
للقرآن الكريم. فلابد أن نفرق بين
أمر الله تعالى وبين أمر البشر.
ومن الصعب خلق بداية جديدة في
مجتمع أغلق الباب فيه أمام
المناقشات المفتوحة حول بعض
القضايا الحيوية الهامة لقرون
عديدة؛ لأن هذا بمثابة تغيير
للأمة من الداخل و تحويل المجتمع
من مجتمع منغلق إلى مجتمع منفتح.
وهي في الحقيقة تعد هذه مهمة شاقة
وعصيبة ولكن لا مفر منها.
|