Home

 

الدعوة إلى تغيير المنهج

على مشارف الرياض، وفي الطريق إلى المطار، تقع مجموعة كبيرة من الأبنية الضخمة التي تبدو كالقصور، وهي أبنية جامعة الإمام الشهيرة، والمعروفة بما تقدمه من دراسات عليا بالشريعة الإسلامية. إلا أن جامعة الإمام ليست المركز التعليمي الوحيد المتخصص في تدريس العلوم الإسلامية، أو "علوم الشريعة" كما يطلقون عليها، فهناك جامعات أخرى – لا تقل شهرة - متخصصة في تدريس هذه العلوم؛ كجامعة المدينة المنورة بالمملكة، وجامعة الأزهر الشريف بالقاهرة، وعدد كبير من المعاهد المثيلة المنتشرة في ربوع العالم الإسلامي والمتخصصة في تدريس العلوم الإسلامية. وعلى الطرف الآخر من العاصمة السعودية الرياض، تقع جامعة الملك سعود المتخصصة في تدريس العلوم الحديثة فقط. ورغم أن الجامعتين تقعان على طرفي مدينة واحدة، إلا أنهما يشكلان وجهتي نظر مختلفتين تمامًا. ولن يكون من قبيل المبالغة إذا ما قلنا أن الطلاب في كلتا الجامعتين يعيشون حياتين مختلفتين تمامًا؛ ففي جامعة الإمام، تنحصر جلة العلوم التي تُدرس في العلم الشرعي، أي العلوم الدينية، ولا تحظى فيها العلوم الدنيوية بأية شرعية على الإطلاق. وعلى الجانب الآخر، يرى العلماء في جامعة الملك سعود أن لا شأن لهم بدراسة العلوم الشرعية. وقد أدى هذا الفهم الخاطئ لماهية العلم ومن ثم تقسيمه إلى علم إسلامي وآخر غير إسلامي إلى انقسام المسلمين على أنفسهم في هذا الشأن؛ فأصاب المنشغلين بدراسة العلوم الدنيوية الحديثة خوف من عدم جدوى جهودهم في حياتهم الآخرة، بينما على الجانب الآخر، يعيش العلماء المنشغلين بدراسة العلوم الدينية في وهم أنهم، كعلماء دين، هم ورثة النبي r وأنهم يمتلكون العلم الحقيقي دون الآخرين.

وبالرغم من أن فكرة الجامعة المتكاملة التي تفي بمتطلبات العلم "الإسلامي" هي الفكرة المتبعة الآن، إلا أنها لا تتوافق والمفهوم الكلي للعلم في الإسلام. فحتى قبل فترة الاستعمار، لم يكن علماؤنا القدامى يؤمنون بهذا المفهوم الضيق للعلم الشرعي. وفي عصور الإمبراطوريات الإسلامية على اختلاف أشكالها، اعتنت المعاهد الدينية بإدراج معظم المواد الحديثة في مناهجها الدراسية حتى يتسنى لهم إفراز جيل لديه المقدرة على تحمل المسئولية. ويعد تضمين كتب المنطق والرياضيات والفيزياء وغيرها في المناهج الدراسية التي تدرسها المدارس النظامية الشهيرة (تلك المدارس التي تدرس المناهج النظامية التي يرجع أصلها إلى القرن 18)، دليلاً على أن تلك المناهج التي تبدو اليوم بالية قد اكتست بمظهر الحداثة لدى ظهورها. ولكن عندما اعتقد العلماء أنه بعد سقوط الإمبراطوريات الإسلامية أصبح دورهم قاصراً على الحفاظ على التراث الإسلامي وتعليمه للأجيال التالية، سيطرت عليهم روح التمرد. ولم يحدث هذا بين يوم وليلة، فأصول هذا الفهم الخاطئ لماهية العلوم إنما يرجع إلى القرن الثاني الهجري، عندما اكتسبت العلوم النقلية دائمة التطور – وهي العلوم الخاصة برصد وتقييم عادات المجتمع - شهرة واسعة، وهي المسألة التي سأعود إليها فيما بعد.

يرى أنصار العلوم الشرعية أن المجتمع الإسلامي في حاجة إلى مؤذنين وأئمة وكتبة ودعاة وعلماء في الفقه، يعلمون الأولاد والبنات آداب التعامل في الإسلام وكيف يعيشون حياة صحية نظيفة. ولكن هل نحتاج لتحقيق هذا الهدف إلى دورات طويلة المدى تمتد من عشرة إلى خمسة عشر عامًا؟ جدير بالذكر أنه حتى لو عمدت معاهدنا الدينية إلى خلق جيل قادر على قيادة وتوجيه غيره من الناس في العصر الحديث، فلن يتسنى للمعاهد التي مازالت العصور الوسطى تحتل القاسم الأكبر في مناهجها الإتيان بمثل ذلك.

ما هو العلم؟ وما هو تعريف القرآن للعالم الحقيقي (الراسخون في العلم)؟ يجب أن تثار هذه الأسئلة من جديد. قال تعالى :

قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (الزمر: 9). من منظور قرآني شامل، الدين والعقل هما المصدران الأساسيان للعلم؛ ففيما يمثل الدين النور الهادي للبشرية، يأتي العقل ليكون هو الأداة الأساسية للتحليل، فكل منهما يكمل الآخر؛ وهؤلاء الذين من الله عليهم بنقاء السريرة وحسن الفهم يعتبرون بآيات الله I المتنوعة، فتراهم يتأملون ما ينزل الله من السماء من ماء، فيحي به الأرض بعد موتها فتخرج ثمرات مختلف ألوانها، وكذلك يتأملون اختلاف ألوان الناس والدواب والأنعام. وكلما ازداد تدبرهم لهذا الكون السحيق، كلما عظمت خشيتهم لله I. قال الله تعالي: إنما يخشي الله من عباده العلماء  (فاطر: 28).

والرسول r هو المعلم لهذه الأمة، فنرى القرآن الكريم يقول: يتلوا عليكم آيتنا ويزكيكم ويعلكم الكتب والحكمة  (البقرة: 129، 151). إن ذكر الحكمة على أنها نتيجة طبيعية لتعلم كتاب الله I لهو خير دليل على أن العقل هو مفتاح الفهم الصحيح للقرآن الكريم. ولكن ما هي الحكمة ولماذا أوردها القرآن الكريم مقرونة بلفظ "الكتاب" في نفس الآية؟ خلط بعض المفسرون بين تلك الحكمة وبين سنة النبي r. ومع ذلك، إذا ما تدبرنا هذه الآيات عن قرب، فإننا سنفهم الحكمة بمعنى مختلف تمامًا. فعلى خلاف السنة، لا يمكن النظر إلى الحكمة علىأنها ظاهرة بلغت درجة كمالها وانقطعت بوفاة النبي r، فهي عملية مستمرة من النشاط الذهني. وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تؤيد هذا المعنى؛ فعلى سبيل المثال يقول الله I في قصة داود وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء  (البقرة: 251). وقال I  يؤتي الحكمة من يشاء (البقرة: 269). ومن هنا لا يختلط مفهوم الحكمة مع السنة، وهذا ما نراه جيدًا في التأكيد القرآني أن الأمم السابقة، أمة إبراهيم r على سبيل المثال، قد تلقت الحكمة، قال I فقد آتينا آل ابراهيم الكتب والحكمة  (النساء: 54). وفي سياق آخر، يأمر الله I المسلمين أن يتسموا بالحكمة في دعوة الناس لله رب العالمين. وبإيجاز، فإن النظرة الشاملة للقرآن ترى في الحكمة اتجاهاً عقلياً يرسخ في الفرد في ضوء الوحي الإلهي. فإذا ما توقف العقل عن أداء وظيفته، تأتي الحكمة لإنقاذنا. لقمان كان رجلا حكيمًا، جمع بين حكمة الدين وحكمة العقل، ولذا كان ذكره في القرآن الكريم. وحكمة الدين وحكمة العقل هما مكونات الشخصية المتوازنة أي "قلبًا سليمًا" كما يصوره القرآن الكريم حين يقول: إلا من أتي الله بقلب سليم  (الشعراء: 89).

هذه النظرة العقلية المتوازنة هي التي وضعت الأمة يوماً على المسار الصحيح لقيادة العالم، حيث كان المسلمون أساس خلق عالم جديد قوامه التفكير العقلي؛ ففي أيام عظمة الإسلام، لم يخطر لنا أبدًا– نحن المسلمين- أن نقتصر على دراسة ما يطلق عليه العلوم الشرعية. بل على العكس، لم يكن الجيل الأول من المسلمين على دراية بمعنى "علم شرعي"، الذي انتشر بين علماءنا الآن. وفي العهد الإسلامي الأول، لم يطرأ أبداً بالأذهان أن ستظهر مجموعة بين الناس يزعمون أنهم حجة في العلوم الدينية. فالعلماء – كما نعرفهم اليوم – بهويتهم المختلفة وزيهم المميز، لم يكونوا معروفين لدينا على الأقل حتى نهاية القرن الأول من الهجرة. فقد قيل إن القاضي أبو يوسف هو أول عالم يصنع لنفسه - وللعلماء الآخرين في المحاكم إبان فترة العصر العباسي - رداءً خاصًا. وتدريجيًا، أصبح هذا الرداء مع بعض التعديلات التي أدخلت عليه هو السمة المميزة لعلمائنا. وقد شهد هذا العصر أيضًا ظهور فقهاء ومجتهدين عظام ممن اكتسبوا شهرة اجتماعية وفكرية كبيرة. فبكونهم جامعي وناقلي السنن النبوية، وهي مادة شديدة الصعوبة، حظي هؤلاء العلماء باحترام كبير يفوق حتى احترام العلماء المتخصصين في دراسة القرآن. في هذه الأثناء كان الناس ينظرون إلى هؤلاء الذين أخذوا على عاتقهم جمع وحفظ الروايات التاريخية على أنهم علماء، وفيما بعد تسبب هذا الفهم الخاطئ لطبيعة العلم في تقسيم العلم (المعرفة) إلى علوم نقلية وعلوم عقلية، حيث الأولى هي العلم الشرعي الذي كان الأساس فيه مبنيًا على كلمات الوحي ولم يكن للعقل فيه أي دور. كما أن مقارنة العلم العقلي الحديث بالعلم النقلي تسفر عن الحط من شأن الأول، جاعلة إياه فرع من العلوم أقل مرتبة، وعليه فإن كل من أسهم بأي اكتشاف علمي عليه أن يتحمل حظاً من الاحساس بالذنب. وبالرغم من أن اعتبار "العلم النقلي" أو (العلوم الشرعية) أساسًا للمعرفة قد مكن العلماء من الأخذ بمقاليد الأمور، إلا أنه تسبب في ضيق أفق العقل المسلم.

جدير بالذكر أن الوهم الذي كان يعيشه المسلمون منذ وقت طويل بشأن طبيعة العلم، والذي أسفر عن زعزعة العقل المسلم، كان أيضًا سائدًا بين اليهود حتى وقت قريب؛ فعلى مدار ألفي عام تقريبًا، وقبل الاستيلاء على المعبد الثاني في القدس بوقت طويل، ظل حاخامات اليهود ينشرون بين الناس أن الهدف الرئيسي من الحياة على هذا الكوكب هو الاعتكاف على دراسة التوراة؛ حتى إتاحة ممارسة التجارة أو الأنشطة التجارية كان على أساس أن الهدف من كسب المال هو الإنفاق على المنشغلين بدراسة العلوم الدينية. أما قراءة كتاب دنيوي، فقد اعتبره حاخامات اليهود تعدٍ سافر على العقيدة، وقد ظلت الأمة اليهودية في ديسابورا تعيش تحت وطأة هذا الوهم قرابة الألفي عام. إلا أنه في القرن الثامن عشر، في أوروبا الشرقية، أثار أحد اليهود المهتمين بالقضية تساؤلاً ثوريًا كان الأول من نوعه. قال اليهودي: "هناك بعض الأوقات في حياة الفرد، لا يتمكن فيها من قراءة التوراة أو أي كتاب ديني آخر، خاصة إذا كان في المرحاض، فهل للفرد آنذاك أن يقرأ في علم دنيوي؟" حاول اليهودي أن يجد مخرجًا وحصل بالفعل على موافقة حاخامات اليهود. كانت هذه المحاجة هي الأولى من نوعها، ترتب عليها أن بدأ الكثير من اليهود الأوروبيين يشتكون من الإمساك في أمعاءهم، حيث راحوا يقضون ساعات طويلة في المراحيض. وكذا، في الربوع اليهودية التي أرسى فيها رجال الدين اليهود أساليب الحياة، أصبحت المراحيض هي المأوى الآمن الذي  يستطيع الشخص فيه أن يطالع كتب العلوم والفلسفة. وما أن انتهكت هذه الحرمة، لم تعد السيطرة على الخيال اليهودي أمرًا ممكنًا. وقد شهدنا إبان فترة القرن التاسع عشر والقرن العشرين سيلا من المفكرين والفلاسفة والعلماء والأدباء اليهود. وفي الحقيقة، يدين القرن العشرون بالفضل للعقل اليهودي الذي أسهم بشكل كبير في بنيته الفكرية.

والأمة اليهودية ليست ظاهرة حديثة، فقد عاش اليهود على هذا الكوكب منذ قرون. وطوال فترة عيشهم في عزلة يملؤهم الإيمان بأنهم متميزون في المهاترات الفقهية التي لا طائل من ورائها، لم يسمع العالم بهم، ولا يعني هذا أنه لم يكن بينهم عقول عظيمة خلال فترة الألفي عام الماضية، إلا أنه قد أضاع خيرتهم طاقاتهم في الجدل حول "قضايا دينية" مثل النظر في حرمة تنظيف المراحيض في يوم الشابوت (Shabbot) أو لبس شعر مستعار (باروكة). لذا، بمجرد أن سنحت الفرصة لهذه الأمة أن تطلع على العلوم الدنيوية، قدمت للعالم الكثير من العجائب. وفي هذه التجربة اليهودية ما يعكس المأزق الذي يمر به المسلمون.

فيما مضى، أدرك المفكرون المسلمون – نوعاً - ما سيسفر عنه التضليل والوهم الذي أثير حول تقسيم العلم من أزمات فكرية. ففي كتابه العظيم "إحياء علوم الدين" شجع حجة الإسلام، أبو حامد الغزالي، المسلمين أن يتعلموا الهندسة والطب كي لا يعتمدوا على غير المسلمين في هذه العلوم. ولكن فكرة أن العلم الحقيقي هو في جوهره علم كلي يتألف من معرفة علمية ومعرفة دينية، لاتزال فكرة تحتاج إلى مزيد من الشيوع بين المسلمين اليوم. هذه الفكرة لا تنادي بجهود عظيمة أو أعمال ترميمية لتنفيذها، ولكن جل ما تنادي به هو مجرد تغيير المنهج.

 

 راشد شاز
رئيس التحرير

 

Home


اطبع  ملاحظات أضف الى المفضلة  أخبر صديقك  
 

 
 

 

 

تنزيل مجانية

 
 

 

 

 

 


Privacy Policy

حقوق النشر، فيوتشر إسلام 2004 جميع الحقوق محفوظة