|
المجلس الإسلامي الدولي
يعيش
العالم الآن حالة من الاضطراب، ومما يزيد الأمر سوءًا أن
الأمة الإسلامية والتي كان يجب أن تتولى أمر هذه الحالة
المحزنة تمر بحالة من الفوضى التامة. وقد أدت حالة الفوضى
التي يعاني منها العالم الإسلامي بشأن مسيرته المستقبلية
إلى وقوع العالم تحت رحمة من ليس لديهم أدنى فكرة عن الهدي
الإلهي ولا يحترم هذا الكوكب الذي نعيش عليه أو أي من
سكانه. لقد أصبحنا أسرى موقف، حيث أدت بنا البراعة التقنية
وما صاحبها من عولمة كافرة غافلة لا أخلاقية إلى الإخفاق
العالمي حتى غدونا، نحن سكان هذا الكوكب، لا ندري إلى أين
يأخذنا المسير أو ألى أين يمكننا الفرار؟
ومع ذلك، فما زالت هناك بارقة من أمل، حيث ما زال على هذا
الكوكب عدد غير قليل من النفوس التقية ذات العقول الراجحة
التي لا تعرف إلى الراحة سبيل والتي فطنت إلى خطورة
الموقف، ومن بين أصحاب تلك النفوس مسلمون يتطلعون إلى
المستقبل ومن بقي من أتباع الرسالات السابقة على خشية الله
من اليهود والنصارى والأقوام الأخرى التي تؤمن بالله والتي
مازالت تؤمن بأن الضامن الوحيد لمستقبل أفضل لعالمنا
المضطرب يكمن فقط في إقامة مجتمع مستقبلي قوامه العدل؛
وتؤمن بأن الإنسان مخلوق جُبل على الخيرية وأن الضمير
الإنساني ما زال حياً وهما حقيقتان ظهرتا جليتين في
التاريخ الحديث عندما خرج الملايين من الناس في كل أرجاء
الدنيا - بغض النظر عن هوياتهم الدينية أو القومية – إلى
الشوارع منددين بالحرب الأمريكية على الإرهاب، وهذا ولا شك
يمثل ظاهرة تبعث الأمل لهؤلاء الذين لا زالوا يفكرون في
تحرير عالمنا من براثن الأيدلوجيات المعادية للإنسانية
وأتباعها، بالرغم من وجود كل هذه الصراعات؛ ولم يسبق أن
شهد التاريخ الإنساني مثل هذه الهبة العظيمة التي قام بها
الناس في شتى بقاع العالم داعين لاتخاذ تحرك جماعي في وقت
واحد.
وفي التاريخ المعاصر، هناك دور خاص منوط بالأمة المحمدية
أتباع آخر رسالات السماء إلى الأرض، فهي الأمة التي أمرها
الله ورسوله بمعالجة كل العلل والأسقام التي تنتاب البشرية
في المستقبل، وعلى الرغم من توضيح القرآن الكريم للمنهج
الذي يجب أن يسير عليه المسلمون، فهم يقبعون على هامش
التاريخ، ولا يرجع ذلك أساساً إلا إلى أوهام نسجتها
خيالاتهم؛ أولاً: بدلاً من أن ينظروا إلى أنفسهم على أنهم
"خير أمة أخرجت للناس" وأنهم مصدر الهدى بين الأمم، تاهوا
بين صراعاتهم الداخلية بالنظر إلى كل شيء من زاوية
مجتمعية، وبدا لهم العالم الذي تولوا مسؤوليته مقسوماً إلى
دار الإسلام ودار الكفر مع محو هذا القسم الأخير تقريبًا
من حساباتهم.
ثانيًا: كان ظهور الفكر الفقهي بين المسلمين والذي ينظر
للأشياء على أنها إما أبيض وإما أسود وذلك من زاوية
مجتمعية قد دفعهم إلى اعتبار "الآخرين" غرماء واعتبار
أنفسهم مجرد أمة أخرى يمكنها تحيا حياة إسلامية في معزل عن
غيرها.
ثالثًاً: لقد أغفلوا حقيقة أن الأمة بأسرها لها دور قيادي
وأن هذه المهمة العظيمة تتطلب منهم الحفاظ على علاقة حية
بالوحي والتنزيل وأن يكونوا دوماً في حالة يقظة ومراقبة
لمسيرة التاريخ، ولكن مما يندى له الجبين أن الجماهير
المسلمة قد فقدت تدريجيًا تواصالها مع الوحي القرآني؛
وعهدوا بتلك المسؤولية انفراداً إلى مجموعة من العلماء
التخصصين في تعلم القرآن وانزوت الأمة بدورها لتخلد إلى
الراحة معولة على ما يصدره العلماء من فتاوى تمثل الأحكام
الدينية؛ ومع ذلك، لم يستطع حتى العلماء القيام بدورهم كما
ينبغي حيث أنهم وقعوا في شرك الفهم الخاطئ لبعض الأفكار
الأساسية الخاصة بطبيعة المعرفة ذاتها نتيجة لمعارضتهم
العمياء للمعرفة العلمية والتفكير المنطقي، وعكوفهم على
النظر إلى ما كتبه السلف أو رووه في فتاواهم على أنه
المصدر الأسمى للمعرفة الإسلامية والتي يتعين على الأجيال
اللاحقة ألا يحيدوا عنه؛ وكان هذا الموقف من الإجلال تجاه
السلف علامة على انغلاق العقل المسلم، وكما فعل اليهود
الذين غضب الله عليهم وفقدوا دور الريادة نتيجة لازدرائهم
للهدي الإلهي لم نجد نحن المسلمون خيارًا سوى تقليد
الآخرين فأصبحنا نسخة من اليهود الذين غضب الله عليهم
وحولهم إلى قردة، بل ومثالاً حيًا على التحول إلى قردة
خاسئين.
رابعًا: يمثل ظهور فئة من الرهبان بدعة في الإسلام، والذي
كان في الواقع بداية ظهور العقل الرباني الذي حول دين الله
البسيط إلى نظام معقد قاصر على المختصين بالدين أو الفقهاء
أو من يمكن أن نقول عنهم إنهم أحبار أو رهبان الإسلام.
وفي الوقت الذي ظل فيه المسلمون على قناعة بأن العلماء قد
أخذوا على عاتقهم الاهتمام بالمسؤوليات التي كانت على عاتق
الرسل وجعل الأمة على اتصال بالوحي الإلهي، على النقيض من
ذلك، اعتقد العلماء أن السلف قد استخرجوا كل شيء من القرآن
وأنه لا يوجد شيء جديد يمكن العثور عليه في مجموعة النصوص
الفقهية، وأعلن بعض علماء الإسلام الأفذاذ صراحة أنه لا
شيء تقريبًا باقٍ يمكن أن نتدبره بعقولنا وأن وظيفة العالم
الوحيدة هي تعريف المسلمين بما قاله السلف أو كتبوه حول أي
موضوع بعينه. وقد بدا للكثيرين أن الهدف الوحيد للعقل
البشري هو تغطيته بطربوش أو قبعة.
خامسًا: العلماء الذين يدعون أنفسهم "مندوبو النبي" جعلوا
أنفسهم في المرتبة التالية للرسول. وقد اقترن هذا الادعاء
الحصري بأنهم الورثة الوحيدون لميراث النبوة بالتبرير
الخاطئ للترتيب الهرمي للسلطة الدينية من خلال الآية
القرآنية
(... فسئلوا اهل الذكر...) [النحل 43]
مما أعطاهم سلطة فوق الوحي. ووسط الاختلاف الفقهي على
دقائق الأمور ضاع جوهر الطاعة بالإضافة إلى اكتساب نطاق
المعرفة وطبيعتها بين المسلمين معنى الجيتو اليهودي. ولم
يعد العالِم بين المسلمين هو الشخص الذي يشير إليه القرآن
بأنه الذي يُصعق بالخشية من الله عند التفكر في دلائل وجود
الله في الكون، ولكن أصبح سيد المناظرات على صغائر الأمور
الذي يتحرك في نطاق قضايا إسلامية محدودة.
لقد أدى تردي حال الأمة الإسلامية وتخليها عن الوحي الإلهي
إلى دفع مسيرة التاريخ الإنساني إلى وجهات مجهولة. وبما أن
العالم الجديد قد أُنشئ غافلاً عن الهدي الإلهي، فإنه يحمل
بين طياته عدد لا حصر له ولا يمكن تحمله من المخاطر. وقد
قادتنا أغلب خطط التطور الخاصة بنا إلى موقف فلت فيه زمام
الأمور من أيدينا. فها نحن نقف متفرجين صامتين نراقب
الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بل لكرامة البشرية
بأكملها في شتى أسقاع العالم. ولقد غدت أيدي الرأسمالية
القاسية التي لا ترحم في حالة نشاط جم الآن باسم العولمة،
مما يعطينا الشعور السيء
والجنوني بعدم وجود أي ملاذٍ آمنٍ يمكننا الفرار إليه.
ولقد جعلنا نظام الضرائب المثقل دائمًا سجناءً أبديين في
كوكب منهك بيئيًا يحوم فيه خطر الدمار النهائي نتيجة
استخدام الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى التي
صنعها الإنسان. فباختصار نحن مجبرون على أن نحيا في جو
ملئه الخوف الدائم من المستقبل في عصر غير متوازن عالميًا.
وبسبب
فداحة الأزمة فان النفوس المؤمنة في الديانات والثقافات
المختلفة في جميع أنحاء العالم قد فطنت أخيرًا لخطورة
الموقف؛ حيث أصبح هناك وعي متزايد بأنه لا يوجد سوى كوكب
واحد فقط تحت تصرفنا، فإذا كان لزاما علينا خلق مستقبل
لهذا الكوكب فإننا لا نستطيع أن نتجاهل المبادئ الإلهية
للعيش في وئام مع الطبيعة. في الحقيقة، لقد تحولت الدعوة
إلى تحرير العالم من براثن القيادة المتمردة إلى صيحة عامة
في يومنا هذا؛ حيث خرجت الملايين من البشر في السنوات
الأخيرة إلى الشوارع في مظاهرات حاشدة للتعبير عن معارضتهم
الشديدة لهذا النظام الرأسمالي الذي لا يعرف الرحمة
ومخططاته التي لا حدود لها والتي تهدف إلى الحرب والدمار.
وما زال الجدل محتدما بين المنتمين للعقائد الدينية
المختلفة ومن يخشون الله ومحبي المستقبل والأملين في
الحياة من عباد الله بشأن ضرورة حدوث تغيير فى قادة هذا
العالم، بحيث يأتي عباد الله الطائعون في المقدمة ليتولوا
قيادة عالمنا وتوجيهه. وتتركز مناظراتنا ومشاوراتنا حول
العديد من القضايا الشائكة في المنتديات التي تضم العديد
من العقائد، والاجتماعات الحاشدة المناهضه للحرب، ومنتديات
السلام والتجمعات البيئية بشأن هذا الموضوع. ولم يحدث أبدا
في التاريخ البشري أن تكون لدى الإنسان الرغبة الشديدة في
توجيه الكوكب بشكل جديد والإصرار على الإطاحة بالنظام
العالمي والتحرك بطريقة متناسقة يدًا بيد مع الآخرين من
أجل تحقيق ذلك، بصرف النظر عن اللون أو العقيدة. وتوجد
الملايين من الآذان اليقظة التي تنتظر بشغف سماع كلمة عزاء
والدعوة إلى القيام بعمل متفق عليه ومشترك وعالمي – أو إلى
"كلمةٍ سواءٍ" كما يقول الله في كتابه العزيز. ولكن أين
هؤلاء الذين يدعون تأييد هذه الخطة العامة للتحرك العالمي
أو معتنقي الرسالة الخاتمة؟
والقرآن، شأنه في ذلك شأن الكتب السماوية الأخرى، يشبه
الموارد الطبيعية التي يستفيد مها الجميع فهو يعتبر بمثابة
كنز عام لجميع البشر. وهذا الكتاب بالغ الأهمية لا يمكن أن
نعتبره مجرد كتاب ديني خاص بالمسلمين فقط؛ وليس من حق أي
مجموعة من البشر أن يخصوا أنفسهم بحق تفسير القرآن الكريم
مهما بلغت منزلتهم الدينية أو الاجتماعية أو النفسية.
والكتاب الذي يتوقف عليه مستقبل البشرية؛ يستحق بكل تأكيد
تناولاً أفضل من فلا نتركه بالكامل بيد مجموعة قليلة من
العقول البشرية غير المعصومين. والقرآن الكريم لا يحتاج
الى أي تعليق فهو - كما يتحدث عن نفسه - كتاب هدى ورشاد
لكل من يبحث عن السلوى
(...هدى للمتقين) [البقرة 2].
ومن الملاحظ وضوح أسلوبه وقدرة لغته على التواصل مع جميع
البشر بشكل مثالي؛ فكلام الله بكل تأكيد لا يحتاج أي سلطة
من البشر لتأكيد معانيه، ولكنه يتطلب منا نحن البشر أن
نخضع بلا قيد أو شرط لما يأمرنا به، بدلاً من تفسيره على
هوانا. ولأن القرآن الكريم هو بمثابة رسالة عامة من الله
للبشر أجمعين؛ فإن الأمة الإسلامية مطالبة بقوة وبسرعة أن
ترفع وصايتها على هذا الكتاب وتقدمه على أنه رسالة هدي
عامة للبشر كافة.
وليس المسلمون فقط هم المطالبون بالنظر إلى الإسلام وكتابه
الكريم نظرةُ غير تقليدية ، فجميع من يعبد الله وحده ويرغب
في أن ينال نعمه وهدايته لا يمكنهم تجاهل القرآن إلا على
مسؤوليتهم. كيف يمكن لأحد أن يتجاهل رسالة من نفس الإله
الذي يزعم أنه يطيعه وأنه يسلم أمره إليه. إن أولئك الذين
يخشون الله يحتاجون منهجًا شاملاً؛ ويجب أن نؤكد على أن
الإسلام ليس هو دين المسلمين وحدهم؛ فإنه ميراث مشترك لنا
جميعًا. إن الإسلام هو دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب
ويوسف ودواد وسليمان وموسى وعيسى ودين أولئك الأنبياء
الذين لا حصر لهم ممن قاموا بدعوة البشر إلى عبادة الله
وحده ودخلوا تحت مظلة التوحيد. ويجب علينا أن نؤكد على أن
الإسلام ليس شعارًا أيدولوجيًا يمكن رفعه؛ أو شيئًا مثل
نجمة داود؛ ولكنه خضوع مطلق للإله الواحد. إن إنتصار
الإسلام يجب أن يضمن عودة الفكر السليم لعالمنا مما يعطينا
شعورًا بالراحة والحرية، وهو بالطبع يجب ألا يصل إلى حد
إخضاع الأمم الأخرى للمسلمين؛ لأن فعل ذلك سينفي رسالة
الإسلام نفسها. وباختصار؛ فإن انتصار الإسلام سوف يعني
عودة النقاء إلى عالمنا.
ولا شك إن هذه لمهمة ضخمة، ونحن كمؤمنين بهذا الدين الخاتم
ملتزومون بإنجاحها؛ كما نؤمن بأن هذا المشروع ليس مشروعًا
اجتماعيًا فحسب ولذلك كان لزامًا علينا أن ندعو للمشاركة
من الخارج - من جميع أولئك الذين يشاركوننا أمالنا
وأحلامنا؛ وذلك كما أمرنا المولي عز جل في كتابه العزيز:
(قل ياهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا و بينكم الا
نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضا بعضا اربابا
من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون) [آل
عمران: 64].
هذه إذن هي الخلفية الأيدولوجية التي يقوم على أساسها
المجلس الدولي للإسلام الذي نقترحه وهذه الفكرة لا تعني
استقطاب المسلمين التقليديين وحدهم ولكن تعني صياغة تحالف
فعال من جميع المؤمنين بالله في جميع الرسالات السابقة
أيضًا. وسيكون هذا المجلس أعظم من مجرد منبر بين الرسالات؛
ولكنه سيكون منتدى عالمي حقيقيي لمن يؤمنون بالله إيمانًا
مطلقًا. إننا ندعو القيادات الدينية وكبار الشخصيات في
عالم الأعمال والمفكرين السياسين والاجتماعيين وكبار صناع
القرار والصفوة الحاكمة والمفكرين المستقلين لكي يتحدوا من
أجل سعادة وخير الإنسانية أو كما ذكر القرآن؛ من أجل
استباق الخيرات. |