Home

 

هل ضعفت الهوية الإسلامية؟

منذ حوالي أربعين عامًا، عندما ادعى "ولفريد كانتويل سميث" (Wilfred Cantwell Smith) اعتناقه للدين الإسلامي، وهو ما رآه كثير من المسلمين نصرًا كبيرًا لهم، لم يدرك سوى القليل منهم أنه بادعائه للإسلام قد أثار جدلاً أيديولوجيًا كبيرًا في عالم الأديان. لم يكن "سميث" مسيحيًا عاديًا، ولكنه كان عالمًا فذًا يحيط علمًا بكل أنواع وأشكال المناقشات الكلامية في الإسلام والتي تناولت الهوية الإسلامية. إن "سميث" يرى أن جوهر التعاليم الإسلامية هو الخضوع لله I، ولذلك فقد شعر أنه كمسيحي متدين يمكن أن يكون مسلمًا من الداخل. إن الدين عند "سميث" هو الخضوع لله I وليس شارةً أو علامةً أيدلوجية يتقمصها الشخص، فالإسلام الذي جاء به محمد r لم يكن مقبولاً له، وعلى الرغم من ذلك، لم يكن من الممكن له أن يصرح بقوله "لست بمسلم"؛ إذ كيف يجرؤ رجل تقي مثله أن يقول إنه ليس خاضعًا لله أو ليس بمسلم؟

لقد تميزت الحقبة التاريخية التي عاش فيها "سميث" بوجود دوافع ما بعد الاستعمار؛ فالمسلمون حول العالم كانوا ينظرون إلى الإسلام على أنه هوية عالمية أكثر من كونه رسالة إنقاذ عالمية. من هنا لاقى إعلان "سميث" إسلامه استجابة فاترة من قبل علماء العصر، حتى أن تلميذه الوفي "مشير الحق"، الذي أعلن في مناسبات عديدة تعريف "سميث" للدين الإسلامي، كان يحاول دائمًا أن ينأى بنفسه بعيدًا. كان لدى "مشير الحق" الفرصة للاقتراب من "سميث" بحكم كونه طالبًا بجامعة المعبد "Temple University"، ولم يكن لديه شك في ورع وتقوى "سميث". لكن هل كان "سميث" حقًا مسلم بالمعنى اللغوي للكلمة؟ يرى "مشير الحق" أن تنحية الخلاف حول هذه القضية جانبًا لم يكن أمرًا خطيرًا فقط، ولكنه كان معضلة أيدلوجية أيضًا. عندما زعم "سميث" أنه مسلم في الدين المسيحي، فإنه في الحقيقة قد أثار من جديد حوارًا كان قائمًا منذ زمنٍ بعيد، وهو الحوار الذي تزعمه المتكلمون المسلمون في القرون الأولى للإسلام حول: ما الذي يجعل الشخص مسلمًا، الإيمان أم العمل؟

إن قياس إيمان الفرد أو أية محاولة للوصول إلى تعريفٍ له أمرٌ محفوفٌ بالمخاطر؛ إذ أن التعريف الفقهي أو الشرعي للدين يمكن أن يكون غير حاسم لما به من بعض الأشياء المتناقضة. إن معظم الأديان السماوية الأساسية، فيما عدا الدين الإسلامي، تُعرف اليوم بأسماء مختلفة عن الأسماء التي كان مؤسسوها يطلقون عليها. لم يتوقع المسيح يومًا أنه سوف يأتي زمانٌ يطلق فيه على أتباعه "مسيحيين" أو أن يطلق على ديانته اسم "المسيحية". هذا ينطبق أيضًا على كل من اليهودية والهندوسية والبوذية والكنفوشية وبعض الأديان الأخرى. معظم هذه المصطلحات استحدثها بعض الدخلاء ولذلك فإنها لا تعكس جوهر التعاليم الدينية التي جاءت بها هذه الأديان.

حاول المستشرقون الأوائل أن يقوموا بتفسير الدين الإسلامي من خلال مفاهيم وحقائق مسيحية. في البداية أطلقوا على الدين الإسلامي اسم "المحمدية"، لكن حديثًا جدًا أدرك علماء كبار من الغرب المسلمين أن الإسلام ليس مذهبًا محمديًا لأنه قال بأن الدين الإسلامي استمرارًا لملة إبراهيم u. ينتمي "سميث" لهذا العصر المستنير، وقد اندهش عندما علم أن كلمة "إسلام" قد وردت في القرآن الكريم بعدة معاني تشمل جميع أنواع الخضوع التي انفردت بها الأمة الإسلامية، وقد شهد أيضًا تلك المعركة الضارية التي دارت في باكستان بين القديانيين وأهل السنة حول نفس القضية. في واقع الأمر، جعلت الحركة المناهضة للقديانيين من قضية الهوية بالكامل في بؤرة التركيز. جاء في تقارير لجنة منير "Munir Commission Reports" أن العلماء لم يتمكنوا من تقديم تعريف قاطع ومتفق عليه من الجميع عن "من هو المسلم". إذا كان الإسلام اتجاهًا وإذا كان إسلام المرء يعتمد على خضوعه لله، فهل يمكن أن يكون هناك مسلمون خارج دار الإسلام التقليدية؟ كان هذا سؤالاً طبيعيًا اختلف عليه "سميث" وكثير من الطلاب الآخرين الذين يدرسون الدين الإسلامي. أما بالنسبة لادعاء "سميث" اعتناقه للدين الإسلامي، فقد يكون نوعًا من الفراسة الفكرية، ولكن بالنسبة لنا فإن أية محاولة لإعادة تعريف كلمة "الإسلام" سوف تتسبب حتمًا في إحداث نوعٍ من التحول في النموذج.

من هو المسلم إذًا؟ هل الإسلام خاصية دينية للأمة الإسلامية وحدها، أم هل من الممكن وجود آخرين يستحقون اعتناق الإسلام الذي يعد استمرارًا لملة إبراهيم u؟ إنني أرى أن أية محاولة لإعطاء إجابة قاطعة وصادقة عن هذه القضية بالغة التعقيد سوف تضلل القضية نفسها. ودعوني أفصل القول في ذلك: إن العقل البشري يوظف اللغة كأداة للتفكير والإدراك، والإنسان فقط هو الذي يتمتع بالمقدرة على تحديد اسم لأي ظاهرة وهذا ما يميزه عن غيره من المخلوقات. لكن هناك بعض القيود المفروضة على استخدام الكلمات كأدوات للتفكير والتعبير، خاصة إذا كانت هذه الكلمات حية، فإنها تتطور تدريجيًا. أما على الجانب الآخر، فإن لغة الله I لغة تواصل، فهو I بمقدوره لا ريب أن يترجم مقاصده العلية إلى لغة بشرية ولكن في هذه الحالة سوف تحمل طابعًا سماويًا من الكمال مع تبسيطها كي يفهمها البشر. ومن أجل سد الفجوة بين المقاصد الإلهية ولغة البشر، فإن الله I لا يجعل من نفسه بشرًا أبدًا، لكنه يأمرنا أن نمجد المقاصد الإلهية بلغة بشرية يمكن إدراكها. عندما يقول القرآن الكريم:

 (اقرا باسم ربك الذى خلق) [العلق: 1]

 فإنه يذكر الإنسان مرارًا وتكرارًا بأصله المتواضع، بل ويحثه دائمًا على القراءة الحثيثة، قال تعالى:

(اقرا وربك الاكرم) [العلق]

هذه القراءة الحثيثة يجب أن تقر علانيةً أن القرآن ليس كتابًا عاديًا وليس بمقدور أي لغة بشرية أن تستوعب المقصد الإلهي، كما لا يمكن لأي تفسير أن يفرض سياجًا حول معانيه. إن أقصى ما يمكن للإنسان أن يفعله هو أن يدرك ويقدر قوة المقصد الإلهي الذي يمكن من خلاله إيجاد اتجاهٍ لرحلته الروحية. على النقيض من ذلك، إذا درس المرء النص كمسودة قانونية مستنتجًا كل الأوامر والنواهي، فإنه من المحتمل أن ينتهي دون أن يصل إلى حقيقة الأمر. إن بني إسرائيل - كما يخبرنا القرآن الكريم- أمرهم الله I أن يذبحوا بقرة، ولكنهم بدلاً من أن يذعنوا للأمر الإلهي على الفور أثاروا العديد من الأسئلة كي يضيقوا نطاق ذا ما يميزه عن غيره من الخلاالبحث عن البقرة. هذه الطريقة في محاولة الفهم والوصول إلى هذا القدر من الدقة من المؤكد أنها ضد النص الإلهي.

لم يستطع العقل الفقهي أن يجد في القرآن تعريفًا دقيقًا للهوية الإسلامية، بل بدلا من ذلك يريد الله I منا أن نكون خاضعين له حتى يمكن أن يطلق علينا اسم "ربانيين"، والاتجاه هنا هو الهوية. إن إعلان اعتناق الشخص للنصرانية أو اليهودية ليس أمرًا مقبولاً؛ فالمؤمن يجب أن يصطبغ بصبغة الله I لأنها الهوية الصحيحة. يقول I في القرآن الكريم:

 (صبغة الله ومن احسن من الله صبغة ونحن له عبدون)

إن الفرقة والتوحيد لا يجتمعان أبدًا؛ فالمسلِّمون لله لا يمكن أن يكونوا جادين في دعواهم ما لم يتخلوا عن هويتهم الخاصة من أجل صياغة هوية عالمية للربانيين، والقرآن الكريم دائمًا ما يذكرنا أن أنبياء الله (إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى) ليسوا يهودًا أو نصارى؛ إنهم ينتمون إلى مجموعة واحدة من المسلِّمين لله، وهذا الخضوع قدم لهم هوية واحدة واسمًا واحدًا، قال تعالى: "هو سماكم المسلمين". إن الأمر القرآني "كونوا ربانيين"، وقوله تعالى "صبغة الله" به دلالات كافية على أن القرآن الكريم يريد منا أن نؤسس مجتمعًا عالميًا تتلاشى فيه هوية المجموعات الصغيرة من أجل خلق هوية عالمية خاضعة لله وحده. هذه الأخوة العالمية التي يرمز إليها القرآن بقوله "الأمة المسلمة" مصطلح كبير يشمل كل الأنبياء وأتباعهم. إن دعاء نبي الله إبراهيم u قائلاً:

(ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك) [البقرة: 128]

لا يشمل هؤلاء الطغاة الذين قد يدعون أنهم من ذرية إبراهيم، قال تعالى:

 (قال لا ينال عهدى الظلمين) [البقرة: 124].

إن إعادة تعريف الهوية الإسلامية ليست نوعًا من الترف الأكاديمي لنا، حيث يعتمد هذا في حقيقة الأمر على مستقبلنا. واليوم، في القرن الحادي والعشرين، عندما يجد المسلمون أنفسهم على حافة الهاوية وعندما تظهر حركات الإصلاح المزعومة على أنها ظاهرة سوف تنتهي، فعندئذٍ يكون قد حان الوقت المناسب لرحلة البحث في الذات. تخيل! بالأمس كنا محررين، حملة لواء الدين الخاتم المنقذ من الضلال، واليوم أصبحنا لا حول لنا ولا قوة، فلم نعد ندرك هذا التخلف الذي نعاني منه. ما الذي أصابنا؟ كيف وصل بنا الأمر إلى هذا الحد؟ قد يتطلب هذا قدرًا كبيرًا من الشجاعة في أن ننتقد أنفسنا بكل بوضوح وأن نكون صريحين في إظهار ما بنا من عيوب. إننا ندعى شرف أننا أصحاب رسالة عالمية، ولكننا لسنا أفضل حالاً من اليهود والنصارى في زمن النبي r. إننا أصبحنا مثلهم، بدلا من أن ندعو الناس إلى الله I ونعمل بلا كلل أو ملل في أن نوسع من قاعدتنا الاجتماعية، تجدنا نحث الناس أن يتحولوا إلى هويتنا الثقافية، وإذا كان الحال هكذا، فإنني أتساءل: لماذا نتوقع من الآخرين أن ينجذبوا تجاه هذا المشروع القومي الخالص.

كان الجيل الأول من المسلمين، على خلاف القوميين من المسلمين اليوم، ينعمون برؤية عالمية. كانوا في الظاهر مثل باقي العرب الذين عاشوا في عصرهم؛ يتحدثون نفس اللغة، يرتدون نفس النوع من اللباس، تظهر عليهم اللحى، ولكن من حيث الحيثية كانوا مواطنين يعيشون في عالم أكبر مختلف يعمل من أجل بناء مجتمع إسلامي عالمي خالٍ من التعصب. ورغم أن المظهر الخارجي كان واحدًا، إلا أن الإسلام قد حوَّلهم من الداخل. إن قبولهم لمحمد r نبيًا كان يعني العيش خلف العالم القديم الذي يتسم بالهوية القبلية، ومن أجل هذا لم يكونوا في حاجة إلى تدخل خارجي. وعلى الرغم من تحولهم الفكري والروحي، لم يُطلب منهم أن يرتدوا زيًا مختلفًا أو يغيروا أسمائهم. في هذه الأيام لم يكن هناك فكرة الأسماء الإسلامية أو أي عملية مؤسسية من أجل اعتناق الدين أو صيغة خاصة لإعلان إيمان الفرد كما نعرفه اليوم. كان اعتناق الدين الإسلام في الأساس يعني أن الشخص قد ألقى بكل ثقله في المعسكر الإسلامي الذي يدعو له النبي محمد r وانضم إلى الجهاد النبوي ضد كل النزاعات والخلافات. ولم يكن إعلان الإسلام شفهيًا أو من خلال كلام منمق ذا أهمية كبيرة آنذاك، فقد كان الإيمان مسألة عمل أكثر منها مسألة كلام.

كان المسلمون الأوائل يدركون حقيقة أنهم كحملة لواء الدين الخاتم، كان منوطًا بهم قيادة العالم، ولكن هذا لم يكن يعني أن دور مجتمعات الأديان الأخرى قد انتهى. لقد شعروا في الحقيقة أنهم مجبرين أن يسعوا من أجل المشاركة وأن يضعوا مخططًا لهذا من خلال تطبيق مبدأ "كلمة سواء"، كما وردت في السياق القرآن. عندما كان المسلمون منفتحين على المجتمعات التي تدين بأديانٍ أخرى واتخذوهم كحلفاء محايدين، كانوا قوة لا يُستهان بها. مع ذلك، وبسبب بعض الأحوال السياسية المرتبكة، تغيرت أشياء كثيرة في بغداد حاضرة العصر العباسي. ومع ظهور الموالي على الساحة الاجتماعية وسيطرة أهل الكتاب وبعض المجموعات الأخرى على الخدمات الإدارية، شعرت بعض القبائل العربية بأن دورها يُهمَّش بشكل تدريجي. حدث ذلك في الوقت الذي حيكت فيه العديد من الحكايات المختلقة وتم نشرها بهدف إضعاف النسيج الاجتماعي المتعدد. على سبيل المثال ظهرت في ذلك العصر فقط قصة مختلقة عن بني قريظة لم تحدث أبدًا وهي أن النبي r كان يكره اليهود تمامًا ودائمًا كان ضدهم، وأنه أمر بنفسه بل وشهد إبادة قرية كاملة مكونة من 600 يهودي. نسمع أنه خلال هذه الفترة أيضًا كان الناس يتكلمون على الشروط العمرية على أهل الكتاب والتي ربما تُنسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب أو إلى شخصٍ آخر يُدعى عمرًا. لسنا متأكدين ما الذي سوف يميز اتجاهنا نحو أصحاب الديانات الأخرى. يمكن أن يتم تفسير كل من التقاليد التي أعطت الأفضلية لقبيلة قريش والدعوة إلى خلق نوعٍ من السيطرة العربية من خلال الخلفية التاريخية، وذلك عندما تكون العصبية العربية –بدلا من الإسلام- هي التي تملي علينا هويتنا. إننا نقلص دور الهوية العربية الإسلامية من خلال الدعوة إلى الوحدة العالمية للمسلمين، فالإسلام أصبح يمثل دور الأيديولوجية للإمبراطورية العربية التي تظهر بسرعة شديدة. من قبل، كان المسلمون هم الذين يخدمون رسالة الإسلام، ولكن مع تأسيس الإمبراطورية، كان الإسلام هو الذي يخدم الإمبراطورية؟ ثم جاءت بعد ذلك حملتان صليبيتان اصطدمت في معارك ضارية مع الجيش الإسلامي لما يقرب من مائتي عام. من المؤكد أن هذا كان له تأثير كبير على استيعابنا للأمة النصرانية، وبالفعل حدث هذا، وقد تغيَّر المنهج الإسلامي كليةً، فقد بدا العالم لنا مقسمًا إلى دارٍ للإسلام ودارٍ للكفر، وقد كان الانتقال إلى دار الكفر والعيش فيها أمرًا مكروهًا. لكن أدي هذا الاتجاه في النهاية إلى انغلاق العقل المسلم؛ انغلقنا في بيئاتنا الخاصة فلم نعرف إلا القليل عن الأحداث التي كانت تدور من حولنا في العالم. ومع الظهور المفاجئ للقوى الاستعمارية خلصنا في النهاية إلى حقيقة جديدة، ولكن الوقت كان متأخرًا جدًا.

إننا في حاجة للعودة إلى الأصول إذا ما أردنا أن نبدأ من جديد، نعود من الإسلام الثقافي إلى الإسلام الخالص، بل إننا في حاجة شديدة إلى إعادة تقييم تراثنا التفسيري برمته من حيث تناوله للأشكال والأنماط المختلفة من الهوية الإسلامية. يمكننا أن نبدأ بداية متواضعة من خلال تبني هذه الافتراضات:

1.      محور رسالة الإسلام هو الدعوة إلى تأسيس مجتمع عالمي من المسلمين (الربانيين). ومن منطلق أن صبغة الله هي السمة المميزة لأتباع النبي محمد r، فإنه يتوقع منهم أن يقدسوا الله I ولكن يكون ذلك في نوع من التوافق مع المجتمعات التي تدين بديانات أخرى. يجب ألا نتجاهل حقيقة أن محمدًا r هو نقطة التلاقي بين الديانات السماوية جميعًا، فإنه لم يأت ليؤسس أمة جديدة ولكن ليكمل ملة إبراهيم. إن المفهوم القرآني عن الأمة المسلمة مفهومٌ واسعٌ يشمل كل الأنبياء وأتباعهم.

2.      مفهوم الولاء والبراء كما جاء في القرآن الكريم يبين لنا في الأساس أن الواقع الأيدلوجي منقسمٌ بين مسلمين وغير مسلمين. على الرغم من ذلك، فإن هذا لا يعني أن المسلمين يجب أن يبقوا داخل دار الإسلام ولا يخرجوا منها. إن المسلمين – على خلاف غيرهم من الأمم- ليسوا مجموعة ثقافية أو مجموعة تعيش في عزلة عن العالم. لا يجب أبدًا اعتبار الثقافة العربية، التي حولت بكل أسفٍ أتباع النبي محمد r من أمة مسلمة إلى أمة محمدية على مدى تاريخهم، جزءًا متكاملاً من الإسلام.

     بسبب تأثير التراث التفسيري، أصبح العقل المسلم في حيرة حول فهم بعض الآيات القرآنية التي تحدد تعاملنا مع أهل الكتاب والتي تبدو متعارضة في الظاهر. كان المفسرون في العادة يستخدمون سياقات تاريخية مناسبة للتوفيق بين الآيات المتعارضة التي بدت لهم مختلفة الاتجاه. في اعتقادي، يعد فهم الآية بمعزلٍ عن الآيات الأخرى أو السياق التاريخي لها نوعٌ من المنهجية المتصدعة؛ فلو سُمح للتاريخ أن ينسخ الوحي الإلهي لأدي هذا إلى كارثة. إن ما نحتاجه هو أن نعيد النظر في كل هذه الآيات التي تبدو متضاربة في الظاهر بطريقة واضحة. إن دراستي لهذه الآيات جعلني أؤمن بأن أتباع النبي محمد r لهم نوع من الأفضلية على غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى وذلك لأنهم حملة لواء الدين الخاتم. من هذا المنطلق يجب عليهم أن يسلكوا نهج النبي r في جهاده إلى أن تقوم الساعة. ولآن قيادة العالم مهمة شاقة في حد ذاتها، فإنه يجب وضع أسسها وسياساتها بكل عناية ولا يجب بأي حالٍ من الأحوال أن نسمح للآخر أن يؤثر في هذه السياسات أو يضعفها. وعلى الرغم من الاعتراف بأهل الديانات الأخرى إلا أننا لا نسمح لهم أن يصلوا إلى مراكز قيادية داخل الأمة أو يسمح لهم بالمشاركة في عمل السياسات، قال تعالى:

(يايها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكفرين اولياء من دون المؤمنين اتريدون ان تجعلوا لله عليكم سلطانامبينا) [النساء: 144].

     ومع ذلك، لا يعني هذا أننا نحمل أي ضغينة ضدهم أو نعتبر دينهم أقل من ديننا، قال تعالى:

(ليسوا سواء من اهل الكتب امة قائمة يتلون ءايت الله ءاناء اليل وهم يسجدون) [آل عمران: 113]

     كذلك لأن الله عهد إلينا قيادة هذه الأمة، فقد أخبرنا القرآن الكريم ما الذي يمكن أن نتوقعه من الأمم الأخرى؛ من منهم سيقدم العون للمسلمين وإلى أي حدٍ يكون هذا العون، قال تعالى:

(لتجدن اشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين اشركوا ولتجدن اقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا انا نصرى ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون) [المائدة: 82]

     كذلك يجب ألا نتجاهل اليهود، قال تعالى:

     (ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون) [الأعراف:159]

     إننا نسلم بهذه التوجيهات القرآنية، ولكن هناك بعضٌ من الشك في أن أتباع الأمم السابقة يشكلون أهمية كبيرة بالنسبة لنا. واعتمادًا على مبدأ "كلمة سواء" يجب علينا أن نصوِّغ علاقتنا بهم، ويجب الحكم على أصحاب هذه الديانات من منطلقٍ فردي وطبقًا لما يفعله كل فردٍ بعينه دون أن يؤثر ذلك على الآخرين؛ إذ من بينهم من ينكر وجود أي الهدي الإلهي من الأساس و لا يعير له بالاً. يجب علينا عدم السماح لهذه الأشياء الفظة أن تحدد وتشكل اتجاه جهادنا المشترك، قال تعالى:

     (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصرى حتى تتبع ملتهم) [البقرة: 120]

3.      إن ما يميز كلاً من أصحاب الديانات الأخرى والمسلمين القوميين المعاصرين أمام الله I هو الإيمان والعمل الصالح. ما من إنسان يُولد كافرًا؛ فالكفر -مثل الإيمان- يتكون من مجموعة من الاعتقادات التي يمكنها أن تستهوي أي شخصٍ بغض النظر عن الدولة أو الثقافة التي ينتمي إليها. لقد ذكر القرآن قصص هؤلاء الكفار من أهل الكتاب الذين كانوا يريدون دليلاً واضحًا على رحلتهم إلى الإيمان. إن الرحلة من عالم الإيمان إلى عالم الكفر والعكس تعد في الأساس تغييرًا في المنظور الكلي للشخص، بل وتعد تغييرًا في النموذج. إنها أمرٌ ممكنٌ أمام أي شخص وفي أي وقت. عندما نقوم بمحاولة جادة لإعادة تشكيل مجتمع من المسلِّمين فإن المخاطب عندئذٍ لن يكون اليهود أو النصارى أو المسلمين القوميين المعاصرين، ولكنها سوف تكون مفتوحة أمام المسلِّمين من كل الصبغ. عندما يُنفخ في الصور، يأتي كلٌ من مجَّد الله I في تناغم وتوافق ويعلنون أنهم هم الأتباع الحقيقيين للأمة المسلمة. في الماضي، كان الناس الذين يستجيبون لدعوة النبي محمد r والتفوا حوله كانوا يأتون من أمم متفرقة، مؤمنة وغير مؤمنة؛ بلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي، والمهاجرون من مكة، والأنصار من قبيلة يثرب. جاءوا جميعًا ليشاركوا في الرؤية العالمية الجديدة التي أصبحت السمة المميزة لهويتهم؛ وهي الخضوع لله الواحد. هذه الثورة الفكرية والروحية قد جعلت من تلك القبيلة البعيدة "يثرب" لتكون "المدينة المنورة". الآن أيضًا، ومن نفس المنطلق إذا استطاع أتباع النبي محمد r أن يعيدوا اكتشاف السبب في اختيارهم كمسلمين، فم المحتمل المحتمل جدًا أن يجدوا أنفسهم في مرحلة النور من جديد.

تم تهميش المرأة في المجتمع الإسلامي نتيجة بعض المفاهيم الثقافية البالية، ونحن نحتاج إلى فهم التشريع الخاص بلباس المرأة المحتشم كما جاء في القرآن الكريم، وبعيدًا عن التقيد باللباس الذي تفرضه العادات الثقافية. إن إنكار دور المرأة في المجتمع لا يعد فقط أمرًا مخالفًا للتعاليم القرآنية والعهود الأولى من تاريخنا، ولكنه قد أبقى على نصف قوى المجتمع بلا فاعلية لفترة كبيرة من الزمن. وإذا كان القرآن يأمرنا - مع الوضع في الاعتبار ضخامة الأجندة العالمية – بالتعاون مع أهل الكتاب، فكيف بنا أن نهمش دور نسائنا دون الاستفادة منهن؟

 

Home


اطبع  ملاحظات أضف الى المفضلة  أخبر صديقك   
 

 
 

 

 

تنزيل مجانية

 
 

 

 

 

 


Privacy Policy

حقوق النشر، فيوتشر إسلام 2004 جميع الحقوق محفوظة