Home

 

الإسلام إلى مفسرين جدد

لقد أثبتت الفتوى التي صدرت عن معهد ديوباند في حادثة عمرانة وما لقيته من تأييد هيئة حقوق الإنسان بعد ذلك بما لا يدع مجالاً للشك أن مؤسساتنا الدينية ليست بعيدة كل البعد عن إدراك الحقائق المعاصرة فقط، ولكنها أوضحت أن القائمين على توجيه دفة الأمور في هذه المؤسسات يعوزهم الفهم الصحيح للقرآن الكريم كذلك. إن الآية القرآنية التي قامت عليها هذه الفتوى واضحة وجلية تمامًا، فالمعنى المقصود في قول الله I

 (ولا تنكحوا مانكح ءاباؤكم من النساء)

واضح، وهو أنه إذا تزوجت المرأة من رجل ما، ثم طلقها هذا الرجل أو مات عنها، لا يجوز لولده أن يتزوجها. إن أي شخص يقرأ هذه الآية للوهلة الأولى لا يمكن أن يفكر حتى بما يمكن أن يصوره له خياله الواسع في الآراء التفسيرية المعقدة للفقهاء في هذه الحادثة، والتي نتج عنها تضارب الآراء في حادثة عمرانة.

لقد دفع الوضع الحالي للأمور طبقات المفكرين في المجتمع المسلم إلى التفكر مليًا فيما إذا كان مستقبل المجتمع سوف يكون في أمانٍ في يد هذه المؤسسات التقليدية والعلماء الذين يديرونها. والمسلمون الهنود دائمًا ما يبدون حساسية وحذرًا بالغًا تجاه دينهم، فهم يقودون عددًا وافرًا من الحركات المنظمة لصالح دينهم ومن أجل المحافظة الشريعة، كما يقدمون تضحيات عظيمة في سبيل ذلك، ودائمًا ما ينظرون إلى المعاهد العلمية الإسلامية على أنها قلعة الإسلام التي يجب أن تظل في منعةٍ عن كافة أنواع التدخلات الخارجية، واعتبروا أن حماية هذه الحصون من العدوان الخارجي هو تكليف ديني. والمفارقة العجيبة أن التفسيرات والشروحات الخاصة بالقضايا الإسلامية التي تخرج حاليًا من هذه المؤسسات تتناقض مع القرآن والفكر. وإذا كان الإسلام قد تُرك بشكل كامل في أيدي علماء يفتقرون إلى المعرفة الكافية والفطنة السديدة، فالخوف كل الخوف أن يقوم هؤلاء العلماء – كما فعل أحبار اليهود – في تحويل الأمر إلى ظاهرة معقدة وشائكة يصعب على عامة المسلمين إدراكها أو الوصول إليها.

والإسلام لا يسمح لأي جماعةٍ من العلماء أو أي طائفة دينية أن تدعي أن لها الريادة في الأمور الدينية والروحية. ويٌدرك العلماء الأجلاء جيدًا أن المكانة القيادية التي يشغلونها تحت دعوى الآية الكريمة

(فسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون)

لا يمكن لهم الاستمرار فيها على ضوء الآية القرآنية السابقة. ومما يدعو للأسف أنهم قد قاموا بإخراج الآية عن المعنى والسياق الخاص بها، واستخدموها في تبرير استمرارهم في هذه المكانة القيادية التي ادعوها لأنفسهم في أمور الدين. وفي حادثة عمرانة، فإن علماء الدين الذين أفتوا بأن عمرانة قد أصبحت حرامًا على زوجها، قد استدلوا على ما ذهبوا إليه بالاستشهاد بكتب الفقه مثل الفتاوى الهندية، ورد المختار، والبحر الرائق. وكان من الأجدر لهم أن تكون مرجعيتهم كتاب الله وقراءة الآية الكريمة في سياقها الصحيح، وعدم الاعتماد على الكتب التي وضعها البشر والتي تزخر بالعديد من المتناقضات، ولو كانوا قد فعلوا ذلك، لكانوا قد أدركوا الأخطاء التي ارتكبها الفقهاء الأحناف عند التعبير عن آرائهم في هذه القضية، وهذا يجب أن يكون على قدر الاهتمام بالفقه الإسلامي والمعارف المدونة فيه. وبعيدًا عن الفقه، لو قام هؤلاء العلماء الأجلاء بالاجتهاد من خلال تفكيرهم وفطنتهم السليمة، لكانوا قد فهموا أن كتاب الله الذي يؤكد بشكل قاطع على أن كل شخص سوف يلقى ما يستحق من الثواب والعقاب، والذي يذكرنا أن كل شخص مسئول فقط عما يرتكبه من أفعال جاء في الآية الكريمة (الا تزر وازرة وزر اخرى) والآية الأخرى (كل نفس بما كسبت رهينة) لا يمكن أن يقبل الرأي الذي يقول بأن الولد يجب أن يعاقب على فعل أبيه، إلى الحد الذي يمكن معه تدمير عائلة بأكملها. إن الرأي الذي عبر عنه الفقهاء بأنه إذا زنت المرأة مع والد الزوج، تصبح محرمة على زوجها كأمه يشير إلى نوعٍ من الحجج الكاذبة والشقاق المعروف عن أحبار اليهود. ومما يندى له الجبين أن علماءنا قد تجاوزوا في هذا الصدد ما فعله علماء اليهود، بل إنهم أيضا لم يتفكروا بأنفسهم في كلمات الوحي الإلهي إلا قليلاً، تمامًا كما فعل علماء اليهود أيضًا، واعتمدوا أكثر على آراء وتفسيرات السابقين في حل أي قضية، فكيف يمكن إذًا لأولئك العلماء كمتأصلين في المذهب الحنفي أن يحيدوا عن آراء أبي حنيفة، إنه يمكنهم بالطبع تجاهل النظام العادل للأشياء الذي فرضه علينا القرآن الكريم أو المعنى الواضح والجلي لمعاني الآية القرآنية، لمجرد أن العلماء الأحناف في العصور السابقة قد قرأوها وفهموها بشكل مختلف.

وتجدر الإشارة هنا إلى موقف العلماء المسلمين المعتدلين، حيث إنهم حينما وجدوا أن دقائق الفقه الحنفي وآراء السابقين تقف أمام حل قضية ما، فإنهم يقومون بالاستشهاد بالفقه الشافعي أو المالكي أو الحنبلي للخروج من هذا المأزق، إلا أنه يبدوا أنهم أيضًا يفتقرون إلى الشجاعة اللازمة لالتماس الهدي من كتاب الله تعالى مباشرة. وفي حالة عمرانة، حاول بعض العلماء المعتدلين الاستشهاد بالفقه الشافعي، وذهبوا إلى القول بأن الحرام لا يحرم الحلال (العلاقة الزوجية في هذه الحالة)، وعلى هذا الأساس تبقى علاقة عمرانة بزوجها صحيحة حتى بعد تعرضها لاغتصاب والد زوجها لها. وظاهريًا، يبدو هذا الرأي رأيًا معتدلاً يقوم على العقل والفطرة السليمة، إلا أن هذا الرأي أيضًا قد اعتمد على أراء العلماء السابقين، ولا يقدم الصورة الصحيحة للإسلام في ضوء القرآن الكريم.

إنني أرى أن السبب الحقيقي للانحراف عن الإسلام وما تلاه من اضمحلالٍ للمجتمع المسلم هو أننا قد قمنا ببناء سياجٍ من علوم التفسير حول القرآن الكريم. إننا لا نسمح للقرآن بأن يكون له دور حازم وقاطع، ولكن على النقيض من ذلك، نبدأ مباشرة بالبحث عن آراء الفقهاء الذين ننتمي إلى مدرستهم عندما تواجهنا مشكلة أو قضية ما، أما القضايا التي لا نجد لها أثرًا في تلك الكتب، فقد جرت العادة أن ننكر كل ما هو جديد، حتى يصبح هذا الشيء الجديد جزءًا لا يتجزأ من حياتنا ونجد أنفسنا واقعين في حوزته وقبضته. فبداية من استخدام مكبرات الصوت إلى ذبح الحيوانات والطيور باستخدام الماكينات الآلية، نجد أن علماءنا قد حرموا كل هذه الأشياء في البداية، لكن شيئا فشيئًا، أصبحت هذه الآلات المحرمة مفضلة لديهم، حتى أننا لا نجد خطيبًا يحب أن يخاطب جمهوره دون استخدام الميكروفون. وحقيقة الأمر أن الله تعالى لم يسمح للبشر أن يحللوا أو يحرموا ما يشاءون، فكل الأفعال التي تقع تحت هذا النوع حددها القرآن الكريم تمامًا. ولذلك، فعلينا أن نقلع عن تلك النظرية التي ترى أن الحق في تفسير أو تأويل الإسلام مقصور على أي فئة معينة من الناس. والحق أن الإسلام قد جاء لوضع حدٍ لهذه الفئة التي تقف بين البشر وخالقهم، كما أن جميع الأنبياء الذين بعثهم الله تعالى إلى العالم قد أعلنوا أنهم قد جاءوا لعمل اتصالٍ مباشر بين الله I وبين خلقه، ولا يجب أن يُسمح لكنيسة أو جماعة من العلماء أن يقفوا حائلاً دون ذلك. أما تنحية كتاب الله I والتماس الهداية من العلماء، والبحث في كتب السابقين لمعرفة آرائهم ومواقفهم، فهو عمل لا يرضاه الله. والقرآن الكريم يصور مثل هذا العمل في قول الله I (اتخذوا احبارهم ورهبنهم اربابا من دون الله)

ويجب أن يدرك مفكرو المسلمين أن الله قد أنزل القرآن على خاتم الأنبياء r، وهو ما لا يخضع لتفسيرات الفقهاء الأربعة، كذلك فإن الفقهاء المتقدمين بشر مثلنا، وهم عرضة للخطأ، ونحن غير ملزمين بتحمل تبعة الأخطاء التي ارتكبوها على أكتافنا الضعيفة، حيث يكفي ما ارتكبناه من أخطاء الحذف والإضافة. ولنسأل أنفسنا، لماذا نلجأ إلى الاستشهاد بما دونه الفقهاء الكبار الأربعة في القضايا الجدلية؟ ففي الحقبة ما بين أبي حنيفة إلى ابن حنبل، ظهر في التاريخ ثلاثون إمامًا آخر، وجميعهم تمتع بنفس المكانة التي تمتع بها الفقهاء الأربعة زيادة ونقصًا على حسب علمهم وسعة إطلاعهم، ومع ذلك، وُضعت الكتب التي كتبوها طي النسيان، ولم يؤد ذلك إلى حدوث نقص في فهم الإيمان. ونسأل مرة أخرى، هل كان سيبقى فهم الناس للإيمان ناقصًا دون مؤلفات الأئمة الأربعة؟ هذا هو السؤال الذي يجب على علماء المسلمين مواجهة أنفسهم به. إنه يجب أن يتضح للجميع أن الأئمة الأربعة لم يأتوا إلى الأرض كممثلين لله I، كذلك لا يحثنا القرآن الكريم على الاتباع الكامل لأي أحد بعد موت النبي r. إن أولئك الذين يوجهون الاتهامات إلى هيئة قانون الأحوال الشخصية أو دار الإفتاء في ديوباندي بشأن عدم التعامل مع قضية عمرانة بشكل فطن، وفي إطار تحقيق العدالة، أو أولئك الذين ثار غضبهم من حقيقة أن مؤسساتنا الدينية التي تأسست لتفهيم وتدريس القرآن ليست لديها الشجاعة لالتماس الهداية من القرآن بشكل مباشر، يجب أن يدركوا أن منهج النظام الذي تدربوا وتعلموا في ظله لم تمنح القرآن المكانة المحورية التي توقعناها منها. وإذا ألقيت نظرةً على منهج المعاهد الإسلامية، فسوف تعرف عدد الساعات المخصصة لدراسة القرآن الكريم وما تشتمل عليه هذه المناهج. ويمكن أن يقال إن هناك بعض المواد الأخرى – بالإضافة إلى القرآن الكريم – التي يتم تدريسها حتى تساعد على فهم أفضل للقرآن. وإذا كان هذا صحيحًا، وإذا كان تدريس العلوم الاجتماعية القديمة يمكن أن تساعدنا على فهم القرآن الكريم بصورة أفضل، فلماذا يصر علماء المسلمين المتقدمين على استثناء العلوم الاجتماعية الحديثة من المنهج؟

والسؤال الآن، هل ستحصل عمرانة على العدل من خلال فهم علماء المسلمين التقليديين للفقه أو من خلال نظام العدالة الجنائية تحت إشراف الدولة؟ هذا السؤال من الأهمية بمكان، حيث إنه يثير انتباه الكثير من الناس. ومن أحد المظاهر الهامة التي نشأت عن هذه الحادثة هي علامة الاستفهام الكبيرة التي ثارت حول كفاءة رجال الفتوى ومدى فهم علمائنا للقرآن. إن أولئك الذين يرون أنه يجب – وفقًا للمذهب الحنفي – حرمان عمرانة من زوجها بسبب جريمة ارتكبها والده، وأولئك الذين يصفون هذا الرأي الفقهي بأنه شريعة الله المنزلة وينحازون إلى حقوق المسلم المنصوص عليها في قانون الأحوال الشخصية، يخضعون لفكرة أنه يجب أن تحاكم جريمة الاغتصاب التي ارتكبها والد الزوج بموجب نظام العدالة القضائية الذي تشرف عليه الدولة، لأن القانون الإسلامي لا يُمكن أن ينفذ هنا، ومن ثم لا يمكن رجمه حتى الموت. ما هذا التفسير الغريب للقانون، فبينما تصر بشدة على فرض الشريعة على طرف واحد مدعيًا أن هذه قضية عقيدةٍ وإيمان، تسمح للطرف الآخر بالهروب من أحكام الشريعة بدعوى أن القانون الإسلامي لا يمكن تطبيقه هنا. ومن الأمور الأخرى في هذا الصدد، أنه كما تبذل الجهود لفسخ زواج عمرانة على أسس غير قرآنية، فإن الرأي الذي يرى بوجوب رجم والد الزوج حتى الموت مخالف للقرآن أيضًا؛ لأن عقوبة المغتصب هي الجلد وليس الرجم حتى الموت كما نص القرآن الكريم على ذلك في سورة النور، لكن أولئك الذين يمنحون أقوال وآراء الفقهاء أهمية تفوق أهمية القرآن الكريم لن يكفوا عن القول بأن آية الرجم كانت موجودةً في القرآن الكريم، ثم تم نسخها بعد ذلك، لكن حكمها لا يزال باقيًا. ومما يدعو للأسف أن من يقول هذه الأقوال ينتهك قدسية القرآن الكريم بكل جرأة ووقاحة.

وطالما لم يقم مفكرو المسلمين بمجهود منظم لسحب حق شرح وتفسير الإسلام من رجال الفتوى الذين تنقصهم المعرفة الكاملة بالقرآن، ومن العلماء الحمقى، فلا يمكن أن نتوقع حدوث أي تحسن في الموقف الحالي. ويجب على المسلمين الاعتماد على القرآن بدلاً من الاعتماد على طائفة من العلماء، كما يجب أن يُطبع في أذهان وقلوب عامة المسلمين أنه لا يوجد في الإسلام أي أفضلية لطائفة معينة من العلماء، كما أن الإسلام لا يعترف بالقيادة الدينية لأي طائفة، وطالما أن هذا لا يحدث، فسوف يمكن لأعداء الإسلام افتراء الأكاذيب على الإسلام ورسم صورة هزلية له. ويجب على مسلمي الهند الآن أن يدركوا أنه من غير المستحسن الاعتماد على التكيات أو المدارس لحماية الدين، ولكن عليهم أن يعرضوا أنفسهم على كتاب الله مع الاحتفاظ به بين أيديهم إلى الأبد.    

       إن القرآن كما أنزل على محمد  متاح لنا حتى اليوم, لكن علماء المسلمين – وهم الكنيسة الخفية أو الفاتيكان غير المرئي – لا يسمحون لنا أن نتفاعل مع الوحي بطريقـتـنا؛ فنحن أحرار في التلاوة لكننا لسنا أحرارًا في التأويل. هل يمكننا أن نستجمع من الشجاعة ما يكفي لإعادة فتح كتاب الله I؟ إننا نعيش في مجتمع يعتقد بأن الجدل الديني قد انتهى وأغلق للأبد. إن بيننا أناس يعتقدون بإخلاص أن العقل البشري لم يعد قادرًا على استنباط الهداية من النص وأن فقهاء الماضي العظام قد حسموا القضايا جملة واحدة للأبد, لذلك فهناك فكرة خاطئة شاعت بين المسلمين تقول بأن ظهور المذاهب الفقهية الأربعة بين أهل السنة هو أمر إلهي.

 

Home


اطبع  ملاحظات أضف الى المفضلة  أخبر صديقك   
 

 
 

 

 

تنزيل مجانية

 
 

 

 

 

 


Privacy Policy

حقوق النشر، فيوتشر إسلام 2004 جميع الحقوق محفوظة