Home

 

بحثًا عن الصوت النبوي

لقد جاء النبي محمد r بشيرًا ونذيرًا للخلق جميعًا ومن هنا حملت رسالته شعار العالمية؛ حيث دعا الرسول r إلى رخاء البشر أجمعين، كما دعا إلى تحرير الإنسان شرك الأغلال التي صنعها بنفسه. ومن ثَمََّ، بدا الإسلام للكثيرين كقوة تحريرية تفتح ذارعيها لكل من يبحث عن ملاذٍ له مهما كانت طبقته أو عقيدته أو لونه أو جنسه. فرسالة الإسلام التي جاءت على لسان النبي r تحمل دعوة عالمية، حيث اجتذبت إليها أناسًا من دولٍ خارج حدود الجزيرة العربية؛ فقد وجد كل من صهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي في هذا الجهاد نفس الوعد بالتحرر من أغلال العبودية، وهذا الأمر هو الذي جعل جميع سكان منطقة الجزيرة العربية يناصرون النبي r. وقد كان هذا هو مطلب الصوت النبوي عندئذٍ.  

واليوم، وعلى الرغم من وجود 1.6 مليار مسلم من أتباع النبي محمد r في العالم اليوم، لم يعد أحد يسمع أو يلتزم بهذا الصوت النبوي؛ ففي كل المنتديات الإسلامية الدولية تقريبًا، سواء كانت منظمة المؤتمر الإسلامي أم رابطة العالم الإسلامي أم جامعة الدول العربية أم حتى الاجتماعات السرية للمنظمات الإسلامية البارزة، لا يتردد على مسامع المرء سوى الكثير من اللغط عن كيفية رفع شأن الأمة الإسلامية أو كيفية الحد من تراجع مكانة الأمة المسلمة دون التطرق إلى البحث عن سبيل لنجاة البشرية. والأمر الذي يثير مخاوفنا هو أن الإسلام صار في عصرنا الحالي مجرد مشروع مجتمعي. فالوضع الإسلامي الذي قمنا بتطويره على مدار تاريخنا لا يمثل مجال جذبٍ لاستقطاب شعوب الأمم الأخرى. بل على العكس إنهم ينظرون إلى الإسلام على أنه أيدلوجية معادية وتهديد محتمل على هيمنتهم. هذا هو السبب المنطقي الأساسي الذي يكمن وراء الحرب الأمريكية ضد الإرهاب وهذا هو جوهر القضية التي يطلق عليها المفكرون صراع الحضارات.  

وبما أننا نحيا هذه الفترة الحساسة التي أصبح فيها تاريخنا مجرد أحداث لا معنى لها، فإننا كمسلمين أصبحنا مجرد كبش فداء؛ فها هي وسائل الإعلام دائمًا ما تسوق في العالم كله صورة أكبر بكثير عن حقيقة أشخاص متطرفين من بيننا الذين يتجاهلون جوهر تعاليم الإسلام الأساسية في لحظات من اليأس والقنوط. والأمر الذي يجعل من هذا الضرر أمرًا لا يمكن إصلاحه هو غياب الصوت النبوي من بيننا تمامًا، هذه الرؤيا الخاصة بتحرير العالم والتي كانت يومًا من الأيام هي السمة المميزة لعصر صدر الإسلام. إذا اقتصرت جهود المعتدلين أو غيرهم من مفكري الإسلام على مجرد رفع قواعد البيت الإسلامي، وظل المتطرفون يعملون، بطريقتهم الخاصة، على أن تسود سيطرة طائفتهم على العالم كله، فأين يمكن أن يجد العالم رسالة خاتم المرسلين التي تحمل السلوى والحياة والشفاء للعالمين؟  

ومادام الإسلام يتميز بالخضوع والتسليم لوجه الله رب العالمين، إذًا فهو الحقيقة العالمية، ولكن إذا كنا –نحن المسلمين- نجعل منه مجرد مشروع اجتماعي، فإنه قد أصبح هوية أكثر منه اتجاهًا ومسلكًا ويترك بغيته وأهدافه للآخر. ويرجع أصل هذا التحول إلى الأعوام الأولى من عصر بغداد حاضرة العباسيين عندما مجَّد  فقهاؤنا هذه الرسالة  العالمية بوصفها أيدلوجية الإمبراطورية. لقد بات كل ما هو مسلم في بؤرة تركيز مناقشتنا وذلك عندما أصبح من الواضح لنا أن الإسلام كان الأيدلوجية لهذا الجزء من العالم وحده والذي أطلقنا عليه "دار الإسلام" وذلك كوسيلة لراحتنا. وقد طالب علماء هذا العصر في غمرة حماسهم لتطويع الإسلام في خدمة الإمبراطورية بأعلى صوت على أن تُوضع قائمة متفق عليها للعقيدة الإسلامية. وعندما قام المشرعون المسلمون بصياغة متطلبات الاتجاه السائد في الإسلام طرحوا جانبًا القرآن الذي يبين ما يجب الإيمان به وما لا يجب. وقد كان لقضية خلق القرآن أبعاد سياسية كبيرة، مما أعطى العلماء المزيد من الحرية لتدعيم فهمهم للإسلام على أنه أيدلوجية الإمبراطورية. وقد تصدى بشدة الإمام أحمد بن حنبل وحشد من علماء آخرين لهذه الحركة، بيد أنهم لم يتمكنوا من إخماد فكرة تحول الإسلام إلى مشروع اجتماعي. إن الآيات التي تركت مجال احتمالات التحرير مفتوحًا أمام أهل الديانات الأخرى آيات منسوخة واستغلها الفقهاء للحكم على القضايا الحساسة التي نهى القرآن عن الخوض فيها والتي أخبرنا القرآن أن الله I هو الحَكَم فيها فقد قال تعالى: إن الله يفصل بينهم يوم القيامة (الحج 17).

ولكن ماذا تعني عبارة "كلمة الله"؟ هل كلم الله I محمد r بلغة عربية خالصة؟ أو أنه فقط أوحى له بالمقصد؟ وكيف حدث ذلك- أي كيف تحولت كلمة الله العليا إلى لغة يفهمها البشر؟ هل الوحي القرآني هو نفس كلمة الله عند النصارى؟ كان لهذه الأسئلة علاقة مباشرة لتصور القرآن كميراث وأيدلوجية واحدة للإمبراطورية العربية الجديدة؛ فالله I تحدَّث إلى النبي محمد r بلسان عربي مبين وفي المنطقة العربية ولكن في نفس الوقت عهد إليه رسالة عالمية ونهى أتباعه أن يتخذوا هوية اجتماعية أو محلية، بل وأمرهم أن ينغمسوا في صبغة الله التي لم تعد تشغل بالنا صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة  (البقرة: 138). هل يمكن تصور الإسلام بعيدًا عن العروبة؟ أو هل يمكن فهم مقصد الرسالة بعيدًا عن تراكيب اللغة العربية؟ لقد حيرت هذه الأسئلة العديد من المسلمين عبر العصور. على سبيل المثال؛ عندما رأى محمد إقبال، شاعر وفيلسوف الشرق، أنه في غياب الخلافة يكون هناك فرصة سانحة لفهم جوهر الإسلام النقي بمنأى عن عناصر الثقافة العربية، كان يعبر تمامًا عن أمله في ظهور رسالة الإسلام العالمية من جديد. أما في عصرنا الحالي، فإن أولئك الذين يجدون أنفسهم غارقين في خضم تلك الأسئلة المحيرة حول التركيب اللغوي للقرآن والذي – نتيجة لتداعيات النظرية التفكيكية على النظريات اللغوية- قد صعُب عليهم تمامًا فهم المقصد الحقيقي والتأكد منه حتى الآن. وفي حقيقة الأمر، حاول أناس أمثال: محمد أركون ونصر أبو زيد، من خلال سعيهم الحثيث لسبر أغوار معاني جديدة في النص، اقتحام منطقة الميتافيزيقيا التي أصبحوا عندها منبوذين بل يصبحون بلا قيمة. لقد سلطوا الضوء على نفس قضايا العصر الماضي والتي دارت حول الجدل الذي أثارته قضية خلق القرآن. إن فهم رسالة خالدة بعيدًا عن الزمان والمكان أمر مثالي، لأنه ببساطة لا يمكن لأولئك الذين يعيشون في ظل القيود التي يفرضها الزمان والمكان أن يفهموا هذا. وليس علينا الآن إلا أن نقرأ كتاب الله من جديد ونحاول الكشف عن معانٍ جديدة ربما تكون قد غابت عن أذهان أسلافنا. إلا أنه  لا يمكن فصل العناصر المكانية والزمنية من حياة  النبي r عن النص القرآني. إن ما يدعو إليه علماء العصر التفكيكي أمثال محمد أركون ومن على شاكلته ليس مجرد دراسة النص في ضوء الأبعاد اللغوية والأنثروبيولوجية المكتسبة حديثًا، ولكنهم بسذاجتهم يحاولون دون جدوى اختراق المنطقة الخطرة محاولين الوقوف على جوهر عملية الوحي. إلا أنهم  لم يظهروا بالفطنة الكافية في خطاباتهم المطولة على الرغم من نشرهم للنظريات اللغوية الحديثة واللهجات العصرية.  

وفي عهد النبي r، كان هناك عدد غير قليل من الفضوليين الذين رغبوا في اكتساب بعض الأبعاد التي تتعلق بعملية الوحي. حتى أنهم سألوا النبي r عن سر الطريقة التي أنزل الله بها كلامه على نبيه، حول هذا الموضوع يخبرنا القرآن بقليل من التفصيل ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا  (الإسراء 85) وفي سياق آخر، يقص القرآن أشكال الوحي الثلاثة ولكنه لم يفصل القول حول العملية نفسها. ربما لم يرد الله U أن يكشف النقاب عن العملية ذاتها أو ربما يكون تقدير التحول المعقد لرسالة الله إلى لغة بسيطة يسهل على الإنسان فهمها أمر يتجاوز حدود الإدراك البشري. والله تعالى أعلى وأعلم.  

إن قراءة القرآن من جديد بعيدًا عن المنطقة العربية دون ربطها بعوامل الزمان والمكان التي ترتبط بالجزيرة العربية في عهد النبي r لها علاقة مباشرة بما سيكون عليه الإسلام في المستقبل. وإذا كان من المكروه الخوض في طبيعة الوحي، فإن الله I فقد فرض علينا جميعًا أن نتدبر المعنى الظاهري للنص وأن نوظف كافة الأدوات المتاحة لبلوغ لب المقصد متجاوزين حدود الزمان والمكان، قائمين برحلة إلى الوراء حتى عصر النبي r، وهنا يمكننا استعادة الصوت النبوي من جديد.  

القرآن هو كلام الله ولكنه ليس كلام بلا روح، فهو دائم النمو؛ والقرآن أشبه بمنشور زجاجي يمكن أن نرى من خلاله كل عصر بضوء مختلف ويمكن أن يسطع نوره عبر الماضي والمستقبل. هذا هو شرع الله الذي يأمرنا أن نتعمق معاني القرآن: أفلا يتدبرون القرآن أم علي قلوب أقفالها (محمد 24). كذلك، يشعر أولئك الذين يأخذون الكلمة أو الوحي الإلهي كعمل نهائي بأنهم مجبرين على إعطاء النص معنى من منطلق تاريخي، ومن ثم يحملون ذنب تجميد النص القرآني فضلاً عن إخضاعه للتاريخ، الذي كان أداة من صنع البشر بما فيها من نقائص. وبالمثل فإن أولئك الذين يدرسون النص القرآني باعتباره نصًا يصلح للتحليل الاجتماعي والانتروبيولوجي يتحملون أيضًا وزرًا مساويًا لأولئك الذين يفسرون نصًا قاطعًا مثل القرآن الكريم عن طريق إخضاعه لأدوات ربما تتغير في المستقبل، وكلتا الفئتين تطالبان، كل منهما على طريقتها، بالحق المطلق للتفسير. 

لا يتصف العالم من حولنا بالسكون، فهو دائم التطور والنمو، وتجاهل هذه الحقيقة عند الحصول على فرصة للتفسير شيء وقراءة وفهم النص من جديد بمفهومنا الخاص شيء آخر؛ ففي الوقت الذي يكون فيه الأول أداة لتكوين عقل استبدادي وأنظمة حكم طاغية تحت ستار الدين، يجب أن يدخل الثاني حيز التجربة في عصرنا الحالي. لقد دُمِّر كنيسة الحياة في القدس، وهو مقر الصفوة من رجال الدين، مرتين وما زال كذلك حتى لحظتنا هذه وذلك بسبب الجمود العقائدي للعقل اليهودي الذي بدَّل رسالة الله العالمية إلى مشروع للخلاص  الاجتماعي. وعندما تجاوزت خطايا الكهنة بالكنيسة الحد وادعى علماء الدين امتلاكهم الحق الوحيد ليس فقط في احتمالية النجاة ولكنهم شرعوا حتى في هجرها، أودت تلك العقلية المؤيدة للشمولية بأناس كانوا يتمتعون بالقوة يوما من الأيام إلى الهلاك التام. ولم يختلف مصير الخلافة العثمانية عن ذلك كثيرًا فقد تفتتت في النهاية، حيث إنه أصبح من الصعب على الأتراك المصابين بالحيرة أن يعوا أنهم يحملون على عاتقهم مهمة الحفاظ على الرسالة النبوية. ويشهد التاريخ على حقيقة أنه أينما اعتبر أنصار أي دين الرسالة العالمية مشروعًا اجتماعيًا مدعين أن أتباعهم فقط هم الذين يملكون الحق في الخلاص والنجاة، إلا وقد وجدوا أنفسهم في نهاية الأمر معتقلين في نظام أوصد الباب أمام المحاولات التفسيرية. وفي كل هذه المواقف تظهر لهم كلمات الله I ككلام جامد كان مُوجهًا فيما مضى إلى السلف الصالح. وبسبب البعد عن كلمات الله التي دائمًا ما تنبض بالحياة، لم يجد رجال الدين بديل آخر سوى التشبث بالسلف الصالح. ويخلق هذا الاتجاه السقيم غير الإبداعي الإحساس بتدين زائف وأحيانا يؤدي إلى إقامة أكثر الحكومات استبدادا باسم الدين. والله I الذي بعث رسله لتحرير الإنسانية من أغلال الأحبار، تلك النخبة المضللة من رجال الدين، قد جعل في أي نظام طغيان شيئا يعمل على تدميره. 

لقد تركت تلك الفترات الحساسة فراغًا كبيرًا، فالغرب يكابد صرخات غير مسبوقة في تاريخه. كما سقطت الفلسفة الغربية في شرك التحليل اللغوي، وتحيط التساؤلات بالمفهوم الغربي للتطور بسبب آثاره البيئية المدمرة وأخفقت المُثل الغربية مثل الديمقراطية في إرساء دعائم نظام سليم داخل معاقل الحضارات الغربية. واليوم، لم تعد التساؤلات تحيط بقوة العلم التي لا تقهر فحسب، بل باتت القواعد الاجتماعية التي تتعلق بالإجهاض وزواج الشواذ والثقافات الجنسية قبل الزواج والتي اتخذت فيما مضى كأمور مسلم بها- موضوعات طرحت من جديد على طاولة النقاش. لقد افتقد الغرب سحره وبريقه ولم تعد تتضح الرؤية بعد بشأن آفاق المستقبل القريب.     

لقد شهدت العقود القليلة الأخيرة طفرة غير مسبوقة من اجتماعات الحوار بين الأديان، حيث يجد رجال الدين في تقاليد متعددة صعوبة في العيش بمنأى عن احتمالات عبودية الآخر أو حتى إنكارها. وفي خضم تلك الأصوات الخافتة التي يطلقها الفكر الديني التحريري في أمريكا اللاتينية والفكر الديني الوطني في تايوان وفكر مينجونج في كوريا وحركة نهضة الفكر الديني الدالت للهند وبقايا هذا العالم القديم الحديث، نسمع بوضوح صوت الحاجة الشديدة إلى دين عالمي حقيقي. وربما تؤتي هذه المحاولة المشتركة لإعادة اكتشاف الرسالة الخالدة لله رب العالمين-كما قال القرآن- ثمارها في وقت مبكر إذا قمنا نحن كمسلمين بتنفيذ المشروع الإسلامي المجتمعي الذي يدعو الأمم قاطبة على وجه البسيطة لترديد حمد الله في ترتيل الآيات القرآنية:   الحمد لله رب العلمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. إهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. (الفاتحة 1-6).

 

Home


اطبع  ملاحظات أضف الى المفضلة  أخبر صديقك   
 

 
 

 

 

 

 

 


Privacy Policy

حقوق النشر، فيوتشر إسلام 2004 جميع الحقوق محفوظة