|
الخطاب الإسلامي بين الأصالة والمعاصرة
الدكتور عبد العزيز بن عثمان
التويجري
مدخل :
إن من متطلبات التعامل المؤثّر مع
المتغيرات المتعددة التي يعرفها
عصرنا، مراجعة المناهج و الأساليب
التي نعتمدها في حياتنا الفكرية و
الثقافية، و إعادة النظر في
المواقف و الاختيارات التي نتخذها
في أمورنا السياسية و الاقتصادية،
بما يمكننا من تقييم العمل الذي
نقوم به، و تقويم الاعوجاج إن
وجد، و لتصحيح الخطأ إن حصل، و
لترشيد المسيرة و تقويتها و
توجيهها الوجهة الصحيحة.
كما أن هذه المراجعة تمهد السبل
أمامنا للتجديد و التطوير و
التحديث و مواكبة التطورات التي
تحدث في مجالات الحياة كافة، و
لتحقيق معدلات أعلى من التنمية،
بالمفهوم الشامل الذي يقصد إلى
الارتقاء بالحياة إنماءً للمجتمع،
و إغناءً للإنسان، و بناءً
للحضارة.
ويندرج في إطار المراجعات الشاملة
للمناهج و الأساليب و طرق العمل و
للمواقف و الاختيارات و السياسات،
مراجعة الخطاب الإسلامي في
مجالاته المختلفة لكونه معبّراً
عن كيان الأمة، ومنهاجاً للدعوة
الإسلامية و أداة للتعريف بحقائق
الإسلام، ودحض الأباطيل و الشبهات
و التهم التي تروج و تنتشر
بأساليب شتى، و بحسبانه الوسيلةَ
التي يلجأ إليها مفكرو الأمة و
حكماؤها و مصلحوها و أُلو العزم و
الحكمة و الرأي فيها، للدفاع عن
وجود الأمة في وجه الإسلام، و
الإساءة إلى المسلمين، و الإضرار
بالمصالح الحيوية للعالم
الإسلامي، و فرض الهيمنة عليه و
إخضاعه للسياسات التي تتوافق و
مصالح النظام الدولي الجديد الذي
فرضه القطب الأوحد على المجتمع
الدولي، و الذي يهيمن على السياسة
الدولية في هذه المرحلة من
التاريخ.
إن من شأن هذه الوقفات المتأنية
مع الذات، بين الحين و الآخر،
للمراجعة و المكاشفة و المصارحة و
التواصي بالحق، أن ترشد مسيرتنا و
تقوّي عزيمتنا و تمكننا من تدعيم
الكيان الإسلامي و تحصينه، في هذه
المرحلة الصعبة التي تواجهنا فيها
تحديات بالغة الضراوة، و محملَّة
بالمخاطر الحقيقية التي تهدد
وجودنا المادي و المعنوي في
الصميم.
و لا تستقيم لنا هذه المراجعة،
إلاَّ إذا التمسنا إليها المنهج
العلمي في الفهم و الإدراك، و في
التحليل و التقييم، و في تحديد
المعاني و ضبط المفاهيم، توخياً
للوصول إلى النتائج الايجابية
التي ستمكننا، إن شاء الله، من
بلوغ الأهداف النبيلة التي نقصد
إليها في كل شأن من شؤوننا، و
نعتمد من أجل تحقيقها، الأسلوب
الحكيم و المنهاج الرشيد.
و سنعرض في هذه الدراسة، لمفهوم
الخطاب من حيث هو، و نبحث دلالة
الخطاب الإسلامي، ثم نتناول
مقومات الخطاب الإسلامي و خصائصه
و نحلّلها، قبل أن ننظر في واقع
الخطاب الإسلامي اليوم، و نخلص
بعد ذلك إلى استشراف مستقبل
الخطاب الإسلامي. ثم نختم بخلاصة
نجمع فيها أطراف الدراسة و نستخلص
النتائج.
مفهوم الخطاب:
للخطاب مفهومان، المفهوم الأول
أصيلٌ، ثابتٌ، بسيطٌ غير مركّب،
عرفته العرب و ورد في القرآن
الكريم، و في حديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم، و في المعاجم
اللغوية الأولى. أما المفهوم
الثاني، فانه معاصر و ذو طبيعة
تركيبية يتعدّى بها الدّلالةَ
اللغوية، إلى الدلالة الفلسفية، و
الدلالة السياسية، والدلالة
الإعلامية، و تتوضح الفروق بين
الدلالات حسب السياقات التي تُورد
فيها.
أولاً: على مستوى المفهوم اللغوي:
جاء في لسان العرب، الخطاب و
المخاطبة: مراجعة الكلام، وقد
خاطبه باللام مخاطبةً و خطاباً، و
هما يتخاطبان. و فصل الخطاب: أن
يفصل بين الحق و الباطل و يميّز
بين الحكم و ضده(1).
والخطاب كما ورد في كتاب الكليات،
هو الكلام الذي يقصد به الإفهام،
إفهام من هو أهلٌ للفهم، والكلام
الذي لا يقصد به إفهام المستمع،
فانه لا يسمى خطاباً(2).
ثانياً: على مستوى المفهوم
القرآني:
تعدَّد في القرآن الكريم لفظ خطْب
تسع مرات، و ورد بصيغة خطاب ثلاث
مرات، في قوله تعالى (فقال
أكفلنيها وعزَّني في الخطاب)(3)،
و في قوله تعالى (وشددنا ملكه و
آتيناه الحكمة و فصل الخطاب)(4)،
كما وردت هذه الصيغة في قول الله
عزّ و جلّ (ربّ السماوات و الأرض
وما بينهما الرحمن لا يملكون منه
خطاباً)(5).
وفي معجم ألفاظ القرآن الكريم،
خاطبهُ مخاطبةً وخطاباً: تكلم
معه، والخطب: الشأن الذي تقع فيه
المخاطبة(6).
ونلاحظ في سياق ورود لفظ (خطاب)
في الآيات القرآنية الثلاث، أن
الخطاب يُقرن دائماّ بالعزة، وشدة
البأس، وبالحكمة، و بالعظمة
والجلال لله تبارك و تعالى. وهنا
مجالٌ فسيحٌ للتأمل والاستبصار و
التدقيق في اكتناه المعنى العميق
للفظ (خطاب)، مما يخرج به عن
المفهوم اللغوي بحسبانه مراجعةً
للكلام، أو الكلام الذي يقصد به
الإفهام، و يرتقي به إلى مستوى
أرفع شديد اللصوق بمعاني سامية
تَتَفَاوَتُ بين العزة (وعزَّني
في الخطاب)، والحكمة (وآتيناه الحکمة
وفصل الخطاب)، والعظمة الربانية
والجلال الإلاهي (رب السماوات
والأرض وما بينهما الرحمن لا
يملكون منه خطابا)
ويتلاقَى المفهومان اللغوي
والقرآني، في التأكيد على الدلالة
السامية للخطاب، على اعتبار أن
(فصل الخطاب) لا يتم على الوجه
الأفضل، إلاَّ إذا اقترن بالحكمة،
وكان القصد منه تبيان وجه الحق.
ثالثاّ: على مستوى المفاهيم
الحديثة:
الخطاب اصطلاح فلسفي
(7)،
يقارب في الدلالة المقولةَ
الفلسفية؛ فالخطاب الفلسفي لفلان،
هو منهاجه في التفكير والتصور وفي
التعبير عن أفكاره وتصوراته، وهذا
الخطاب يتعارض أو يتوافق مع
الخطاب الفلسفي لعلان.
ودخل هذا المفهوم في الفكر
السياسي المعاصر، فصار الخطاب
السياسي، منطوياً على الحمولة
الفكرية والمضمون الإيديولوجي،
مما يجعل الخطاب السياسي لهذه
الجماعة معبراً عن عقيدتها
السياسية واختياراتها المذهبية،
فالخطاب في هذا المقام ليس مجرد
أسلوب للتبليغ، وطريقة للتعبير عن
الرأي والموقف، ولكنه الوعاء
المعبّر عن الروح والعقيدة
والفلسفة والمذهب.
وينطبق هذا المفهوم أيضاَ، على
الخطاب الثقافي، والخطاب الأدبي،
والخطاب الفني، والخطاب الإعلامي،
وإن كان الخطاب الإعلامي أكثر
استيعاباً للمضامين الواسعة، بحيث
يمكن أن يستوعب المستويات
الخطابية جميعاً، فيكون الخطاب
الإعلامي الديني، والخطاب
الإعلامي الفلسفي، والخطاب
الإعلامي السياسي... إلخ.
وإلى هذا المعني تنصرف الأذهان
عند الحديث عن الخطاب الإسلامي،
باعتبار أن المقصود هو الوسيلة
التي يخاطب بها المسلمون العالم،
والمنهاج الذي يصوغون من خلاله
أفكارهم وآراءهم ومواقفهم التي
يريدون إيصالها إلى القطاع الأوسع
من الرأي العام العالمي.
وبناءً على ذلك، فإننا نستطيع أن
نقول إنّ الخطاب الإسلامي هو
الإطار الأوسع للدعوة الإسلامية
بالمفهوم العميق والشامل.
وهذا ما سنعرض له فيما يلي:
دلالة الخطاب الإسلامي:
يترادف الخطاب الإسلامي مع الدعوة
الإسلامية، ويتداخل المفهومان في
أحايين كثيرة لدرجة التطابق. ولكن
مفهوم الخطاب الإسلامي أبعد مدى و
أوسع أفقاً وأعمق دلالة من مفهوم
الدعوة الإسلامية.
إنّ هذا الاصطلاح (الدعوة
الإسلامية) حديث عهد في الثقافة
الإسلامية؛ فقبل عصر النهضة التي
عرفها العالم الإسلامي، ابتدءاً
من أواخر القرن التاسع عشر
للميلاد، لم يستخدم العلماء
والفقهاء والمصلحون عبارة (الدعوة
الإسلامية)، بهذا التركيب، وكانت
العبارة التي تؤدي هذا المعنى
الشريف، هي (الدعوة إلى الله)، أو
(الدعوة إلى الخير)، أو (الدعوة
إلى سبيل الله)، أو بعبارة جامعة
مانعة شاملة (الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر). وكان جمهور
العلماء وصفوة المصلحين والدعاة
يفهمون الآية الخامسة والعشرين
بعد المائة من سورة النحل (ادع
إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة
الحسنة) باعتبارها دعوةً للناس
أجمعين في كل زمان ومكان، إلى دين
الله وشريعته، بالأسلوب الحكيم
واللطف واللين، بما يؤثر فيهم
وينجع، لا بالزجر والتأنيب
والقسوة والشدة.
ويذهب المفسرون لهذه الآية
الكريمة إلى أنّ معنى (وجادلهم
بالتي هي أحسن)(8)
التي تتمم بها الآية، هو مجادلة
المخالفين بأحسن طريقة من طرق
المناظرة والمجادلة بالحجج
والبراهين والرفق واللين. وتختتم
الآية بقوله تعالى (إن ربك هو
أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم
بالمهتدين)(9).
فالدعوة إلى الله لا تكون إلاّ
بالأسلوب الحكيم واللطف واللين.
ولا يمكن أن تكون بغير ذلك، وإلاّ
فهي ليست دعوة إلى الله، وليست-
تبعاً لذلك- دعوة إسلامية. ذلك
أنّ الحكمة والموعظة الحسنة
اللتين يحث الله تعالى نبيّه
محمداً صلى الله عليه وسلم، على
أن يدعوه بهما الناس إلى سبيل ربه
سبحانه، هما مدار أمر الدعوة كله،
وهما الأصل في الخطاب الإسلامي في
جميع مستوياته، وعبر مختلف
قنواته.
ولا غضاضة في استبدال (الخطاب
الإسلامي) بعبارة (الدعوة
الإسلامية)، مادام القصد هو إيجاد
صيغة أكثر شمولاً وأعمق دلالة
للتعبير عن المعني المقصود
ولتحقيق الهدف المنشود. ونحن نفهم
المبررات والدواعي وراء اختيار
هذا المصطلح وشحنه بالمفاهيم
الإسلامية وتوظيفه ليؤدّي معاني
الدعوة الإسلامية بصورة مستفيضة؛
فقبل قرن من الزمن، عمد المصلحون
والمفكرون الذين تصدّوا للعمل من
أجل تنبيه العالم الإسلامي و
ترشيد حياة الأمة، إلى استخدام
المصطلح والإفادة من مضامينه
وتأثيراته وظلاله، حتى لا يكون
الأمر مجرد اشتقاق ألفاظ بلا روح،
واستعمال مصطلحات بلا معني.
إنّ المناهج والأساليب تتجدَّد
بتطور المجتمع وبنشوء ظروف جديدة
تتطلب المسايرة والمواكبة
والتكيّف، ولكن المضامين – في
المنظور الإسلامي – لا تتجدد إلاّ
بالقدر الذي يزيدها وضوحاً
وإشعاعاً وتأثيراً.
ولكن إلى أيّ مدى تجدد الخطاب
الإسلامي؟، وما الاتجاه الذي سار
فيه هذا التجديد، إذا كان تجديداً
حقيقياً؟، وما مقومات الخطاب
الإسلامي وخصائصه ووظائفه؟، وهل
هذه المقومات والخصائص تستجيب
للتجديد؟، وهل يتم تجديد الخطاب
الإسلامي في إطار الثوابت
والكليات القطعية؟
مقومات الخطاب الإسلامي وخصائصه:
يستند كلّ خطاب إلى مقومات و
يتميز بخصائص. ولا يكون الخطاب
جاداً وهادفاً، إلاَّ إذا توفرت
هذه المقومات وتلك الخصائص. وما
من خطاب إلاَّ ويعبّر عن ذاتية
المخاطب ويعكس هويته ويترجم فكره.
ولذلك فإنّ الخطاب الإسلامي هو
ذلك النمط من الخطاب الذي يعبّر
أصدق التعبير و أوفاه، عن خصوصيات
المجتمع الإسلامي، وعن الهوية
الحضارية للعالم الإسلامي. ولا
يكون الخطاب إسلامياً، إلاَّ إذا
كان لسان حال الأمة الإسلامية،
مدافعاً عن مصالحها، ملتزماً
بقضاياها، مبشراً بفكرها، ينطلق
من المرتكزات التالية التي تشكّل
مقومات له:
أولاً:
أن يكون خطاباً صادقاً، أميناً،
نزيهاً، لا يخدم إلاَّ المصلحة
الإسلامية في المقام الأول،
وسطياً، منصفاً، عادلاً، يصدر عن
مبادئ الإسلام وأخلاقه ومكارمه.
ثانياً: أن يكون خطاباً إنسانيَّ النزعة، يتوجه إلى المجتمعات
الإنسانية كافة، ويجعل المصلحة
الإنسانية في الدرجة الرفيعة،
ويهدف إلى التعايش الإنساني
والتعاون بين الأمم والشعوب لما
فيه الخير لجميع البشر، ويسعى إلى
إقرار مبادئ الحق والعدل والسلام.
ثالثاً:
أن يكون خطاباً مرناً ومتجدّداً،
متقناً، مستوفياً للشروط
الموضوعية التي تقتضيها مخاطبة
الناس بلغة يفهمها المخاطبون،
وبمنطق سليم مقبول، يتلاءمُ وظروف
كل بيئة، وأحوال كل فئة من الناس.
رابعاً:
أن يكون خطاباً بنَّاء، نافعاً،
هادفاً، يرمي إلى الإصلاح
والتجديد والتطوير على المستوى
الداخلي، ويسعى إلى توضيح حقائق
الإسلام والردّ على الشبهات
المثارة حوله، بالاعتدال والرفق
واللين، مجتنباً كلّ صيغ التطرف
وأشكال العنف وضروب التشنّج
والانفعال، داعياً إلى الحق في
غير ما اندفاع أو تهور أو الإضرار
بالمخاطبين أو الإساءة إليهم.
خامساً:
أن يكون خطاباً مترفّعاً،
ومتميّزاً أسلوباً ومضموناً،
وسيلةُ وغايةً، غير مقلّد، أو
مساير للتيارات العابرة والموجات
العاصفة، في غير ما تبصّر، بحيث
يحافظ على استقلاليته و على
تميّزه.
سادساً:
أن يكون خطاباً متفتحاً، محاوراً،
متفاهماً، ومندمجاً في المحيط
الإقليمي والدولي، ومستوعباً
للمتغيرات والمستجدات.
وهذه المرتكزات التي ينطلق منها
الخطاب الإسلامي، والتي بها يكتسب
مقوماته، تجعله خطاباً ذا شخصية
متفردة، لها خصائصها التي تتميز
بها، والتي تُجْمَلُ في خاصية
كبرى، هى التمسك بثوابت الأمة
التي لا يمكن التفريط فيها تحت
أيّ ظرف، ومهما تكن المبردات،
لأنها فوق كل اعتبار، عليها تقوم
شخصية الفرد المسلم وكيان المجتمع
الإسلامي.
ويثور لغطّ كثير في هذه المرحلة
في بعض المحافل الثقافية والمنابر
الإعلامية، حول تحديد مدلول ثوابت
الأمة، ولذالك رأينا أن نجلّي هذا
الموضوع، بقدر من التفصيل.
إنّ ثوابت الأمة الإسلامية تتمثل
فيما يلي :
أولاً:
العقائد التي تمثّل نظرة
الإسلام الكلية : عن الألوهية
والعبودية، وبعبارة أخرى، عن الله
والإنسان، عن الكون بشقيْه :
المنظور و غير المنظور. وموقف
الإسلام هنا : موقف الواصف المخبر
عن حقيقة هذه الأشياء، الموجب
للإيمان بها، بلا تهوين ولا
تهويل.
ثانياً:
العبادات التي فرضها الله
على عباده قياماً بواجب شكره، وحق
ربوبيته لهم، وفي طليعتها الشعائر
الأربع التي تمثل أركان الإسلام
العملية ومبانيه العظام: الصلاة
والزكاة والصيام والحج.
ثالثاً:
القيم الأخلاقية العليا، التي
تحدد علاقة الإنسان بربه كالإخلاص
له والرجاء في رحمته والخشية من
عقابه، وعلاقة الإنسان بأخيه
الإنسان كالصدق والأمانة والوفاء
والرحمة.
رابعاً:
الأحكام القطعية في شؤون الفرد
والأسرة المحكمة القطعية في
ثبوتها ودلالتها، وأجمعت عليها
الأمة، واستقر عليها الفقه والعمل
(10).
فهذه هي الثوابت التي لا يجوز
للخطاب الإسلامي أن يتنكر لها، أو
يفرط فيها، أو يتجاوزها. وله أن
يتحرك ويتجدد ويتطور في إطار هذه
الثوابت. فإذا انحرف الخطاب عن
جادتها، أصبح خطاباً آخر لا يجوز
تحميل الإسلام تبعاته.
واقع الخطاب الإسلامي اليوم :
يتأثّر الخطاب الإسلامي اليوم بما يسود العالم الإسلامي من مناخ
سياسي و ثقافي وفكري، وبما تعيشه
المجتمعات الإسلامية من ظروف
اقتصادية وأوضاع اجتماعية. وتنعكس
ظلال الأوضاع العامة في العالم
الإسلامي على مجمل الحركة الفكرية
والعلمية والثقافية والإعلامية
التي يدخل الخطاب الإسلامي ضمنها.
إنّ الخطاب الإسلامي باعتباره
معبراً عن الحالة الإسلامية في
عموميتها، يَتَفاَوَتُ قوةً
وضعفاً، اعتدالاً وتطرّفاً، قدرةً
وعجزاً، اكتمالاً وقصوراً، من
بيئة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى
آخر، سواء على المستوى الداخلي،
أو على المستوى الخارجي. ويمكن
تشخيص هذه الحالة في مظاهر أربعة:
أولها:
الضعف العام الذي يطبع كثيراً من
أنماط الخطاب الإسلامي، على مستوى
المضمون الذي يتجلى في تراجع
العلم أمام اكتساح الجهل، أو فشوّ
ما يصطلح عليه بالأمية الدينية،
مما يظهر في هشاشة المحتوي، وفي
الفهم المغلوط للقضايا والأمور
التي يتوجَّب معالجتها من المنظور
الإسلامي وتقديمها إلى الرأي
العام داخل العالم الإسلامي،
ومخاطبة الرأي العام العالمي بها.
ثانيها:
الارتجال والعفوية بسبب غياب
التخطيط وعدم الأخذ بالأسلوب
العلمي في إخضاع الموضوعات
والقضايا والمواقف المعروضة
والحالات القائمة للدراسة
المتخصصة. والاعتماد على القدرات
الذاتية، وعلى المبادرات الفردية
في غالب الأحيان، والنأي عن
التعاون والتكامل وتنسيق الجهود
وتضافرها، والعزوف عن المواجهة
الجماعية المتراصة والمتضامنة
والمترابطة لما يستجدُّ من ظروف
وتطرأ من متغيرات تقتضي التعامل
معها أو التصدّي لها أو الردّ
عليها.
ثالثها:
ضيق الأفق ومحدودية الرؤية
والتركيز على اللحظة الحالية وحصر
الاهتمام بها، من دون التطلّع إلى
المستقبل، والعمل على المديَيْن
المتوسط والبعيد، وهو ما يتجلى في
تحرك كثير من أنماط الخطاب
الإسلامي داخل دائرة ردّ الفعل،
وعدم اتخاذ المبادرة إلاَّ في
حالات نادرة.
رابعها:
انعكاس الاختلافات المذهبية
والفكرية والثقافية والصراعات
السياسية المحلية والإقليمية
والدولية، على الخطاب الإسلامي في
مجمله، مما يجعله خطاباً مشتتاً،
متعارضاً، متعدّد الرؤى، مفتقداً
للترابط والانسجام.
وتنعكس هذه المظاهر السلبية على
الأوضاع العامة للعالم الإسلامي،
وعلى صورة الإسلام والمسلمين في
العالم، وعلى مستوى ردّ التحدّي
والتصدّي للحملات المغرضة التي
تتعرض لها الأمة الإسلامية وتهدّد
وجودها وسيادة دولها واستقرار
شعوبها وازدهارها ونماءها.
ويتأثّر الخطاب الإسلامي بهذه
الأوضاع السلبية وبحالة التخلف
التي يعيشها العالم الإسلامي،
لدرجة أنه في أحايين كثيرة، يفقد
المصداقية والفعالية والتأثير،
فيصبح نتيجةً لذلك، خطاباً
سلبياً، ولا يعدو كونه لَغْواً
وكلاماً في الهواء.
إن الخطاب الإسلامي المعاصرة في
كثير من جوانبه، لايعبّر عن
الصورة المشرقة الحقيقية للإسلام،
ماعدا في حالات محدودة، وفي مواطن
قليلة، وبجهود متباينة.
ومصدر القصور في الخطاب الإسلامي،
إضافةً إلى المظاهر السلبية التي
استعرضناها، التحدّيات الكبرى
التي تواجهها الأمة الإسلامية،
وهي تحديات ذات طبيعتين؛ تحديات
نابعة من الداخل وتحديات وافدة من
الخارج، وإن كانت التحديات ذات
الطبيعة الأولى، أشد ضراوة،
وتتمثّل في حالة التشرذم والتفرّق
التي تسود العالم الإسلامي، كما
تتمثل في الفقر والتخلف اللذين
تعاني منهما قطاعات واسعة في
العديد من دول العالم الإسلامي،
وفي عدم تفعيل التضامن الإسلامي
وتعميقه في الحياة الإسلامية
العامة، وتتمثل أيضاً في الاضطراب
السياسي والاقتصادي والإداري
والثقافي والفني والإعلامي والذي
يتسبب في إعاقة التنمية. وتؤثّر
هذه التحديات جميعاً، تأثيراً
عميقاً، في مستوى أداء الخطاب
الإسلامي لوظائفه، وفي فعالية
قيامه برسالته في المجتمع
الإسلامي وفي المحيط الإقليمي
والدولي.
وهذه الحالة هي التي تغلب على
الخطاب الإسلامي في هذه المرحلة،
على الصعيدين الداخلي والخارجي؛
فأما على الصعيد الداخلي، فإن
أنماطاً من الخطاب الإسلامي تقوم
أحياناً، وفي ظل ظروف محلية، بدور
تمزيق الصفوف بدلاً من توحيدها،
وببثّ الشقاق والخلاف بدلاً من
زرع الثقة والاطمئنان والاحترام
المتبادل وتقوية الأواصر بين
الأشقاء، وبذلك يتسبب هذا النوع
من الخطاب الإسلامي، في إضعاف
كيان الأمة وتشتيت جهودها، وفي
التحريض على ممارسة العدوان على
حقوقها بصورة أو بأخرى.
أما على الصعيد الخارجي، فإن
الخطاب الإسلامي الضعيف، الممزّق
الانتماءات المتعدّد الرؤى المثقل
بالاختلافات، يؤدي إلى ترسيخ
الصورة النمطية المشوهة عن
الإسلام والمسلمين، و يقدم
الذريعة لمن يعادي العالم
الإسلامي ويقف في صفوف المتآمرين
عليه، لمضاعفة الكيد للأمة
الإسلامية وهضم حقوقها، والافتئات
عليها، وفرض الهيمنة الإستعمارية
الجديدة على البلدان الإسلامية.
والحق أن الخطاب الإسلامي المفتقر
إلى الشرور العلمية والمهنية
والفنية، يكون صروه أكثر من نفعه،
بل لا يكون له نفع إطلاقاً، وهو
في هذه الحالة يؤدي نتيجة عكسية،
لأنه خطاب لا صلة له بالحكمة
والموعظة الحسنة، ولا يجادل بالتي
هي أحسن.
مستقبل الخطاب الإسلامي:
من نافلة القول أن مستقبل الخطاب
الإسلامي من مستقبل العالم
الإسلامي؛ فبقدر ما تتطوّر
المجتمعات الإسلامية وتتغيّر نحو
الأحسن والأفضل والأرقى، بالتغلّب
على المشاكل وبحلّ الأزمات
وبتسوية الأوضاع، وبالقضاء على
الفقر والأمية والتغلب، يتجدد
الخطاب الإسلامي ويتغير ويرتقي
إلى المستوى الذي يجعله مسايراً
للمتغيرات، مستجيباً للطموحات،
ومنسجماً مع هوية الأمة، ومعبراً
عن خصوصياتها ومدافعاً عن
مصالحها.
إن الظاهرة التي يسجلها الباحثون
المهتمون بتحليل الخطاب الإسلامي،
تتجلى في عدم المواءمة بين
الأصالة والمعاصرة؛ ففي الوقت
الذي تتطور فيه وسائل المخاطبة
مهنياً وفنياً، بسبب الثورة
المعلوماتية والتقدم في إنتاج
وسائل الإعلام الحديثة، لايواكب
هذا التطور التقانيَّ والفني
والمهني، تطورٌ موازٍ له على
مستوى تجديد مضامين الخطاب
الإسلامي في إطار التمسك
بالثوابت، وحسن فهم المتغيرات
المعاصرة والتعامل معها بما يحقق
الأهداف المرجوة.
ولابد من الإشارة في هذا السياق
إلى أن الخطاب الإسلامي ليس
محصوراً في الوعظ والإرشاد، ولكنه
كل الخطاب الذي يعبر عن خصوصيات
الأمة الإسلامية ويدافع عن
المصالح العليا للعالم الإسلامي،
ويقدّم الصورة الحقيقية عن
الإسلام والمسلمين، ويصحّح
الأخطاء والمغالطات، ويفنّد
الشبهات، ويدحض التهم، ويتصدى
بسلاح العلم والمنطق وباللغة
المناسبة، للحملات المغرضة التي
تتعرض لها الأقطار الإسلامية
جميعاً لا يستثنى منها قطر واحد.
وهذا الخطاب الشامل الجامع الصادر
عن الأمة المعبّر عن هويتها
والمدافع عن مصالحها، هو الخطاب
الذي يستجيب لمتطلبات المستقبل،
لأنه يمتلك الشروط الموضوعية
للمنافسة على الصيعدين الإقليمي
والدولي ولإثبات الوجود ولممارسة
التأثير الإيجابي المطلوب.
ونحن لا نقول بتوحيد الخطاب
الإسلامي، ولكننا نقول في هذا
الصدد بالتنسيق والتعاون والتكامل
في إطار التضامن الإسلامي. ويقتضي
هذا أن لا يكون الخطاب الإسلامي
في صراع مع نفسه، وإنما يتوجَّب
عليه أن يكون خطاباً إسلامياً
تضامنياً يخدم الأمة الإسلامية
قاطبة ولا يستثني فئة منها دون
أخرى.
إننا لا ننظر إلى حاضر العالم
الإسلامي من زاوية ما يموج به
اليوم من مشكلات وأزمات وتوترات
وتهديدات من الخارج، فكل هذه
عوارض زائلة، وتبقى الأمة
الإسلامية بدينها الحنيف،
وبثقافتها وحضارتها وقواها
الذاتية وأصالة شعوبها وعراقتها.
ولذلك فإننا ندعو إلى أن يتحرّر
الخطاب الإسلامي من المعوقات
والقيود التي تكبلّه، ويتغلب على
المشكلات التي تعترضه، ويجدد
نفسه، ويتطور نحو الأفضل.
ولن يتم ذلك بالشكل المؤثّر
وبالأسلوب الفاعل، إلاَّ بتحرير
العقل من قيود التقليد والجمود،
وبتحريك الفكر في ميادين الاجتهاد
والتجديد، وبالانفتاح الذكي
والرشيد على آفاق الفكر الإنساني
في إيجابياته للاستفادة من
ثمراته.
الخلاصة:
لا يكون الخطاب إسلامياً، إلاَّ
إذا كان صادراً عن مرجعية
إسلامية، معبراً عن الهوية
الثقافية والحضارية للأمة
الإسلامية، مرتكزاً على المنهج
القرآني المتمثّل في قوله تعالى
(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي
أحسن)(11).
ويشترط في الخطاب الإسلامي أن
يكون خطاباً للإفهام، لا للإبهام،
وأن يهدف إلى البناء، لا إلى
الهدم، ويسعى إلى الوحدة والتضامن
والتآلف وتعبئة طاقات الأمة وحشد
جهودها لإعلاء البناء الحضاري، لا
إلى تمزيق أوصال الأمة وتشتيت
جهودها وهدر قدراتها وإغراقها في
لجج الخصام واللجاج.
ولا يستقيم الخطاب الإسلامي،
إلاَّ إذا تمسّك بمقوّمات الأمة
الراسخة غير القابلة للتبديل
والتغيير، وهي العقائد الصحيحة
والعبادات المفروضة والأحكام
الكلية القطعية الدلالة والقيم
الأخلاقية العليا. ولا تتوافر
للخطاب الإسلامي الشروط الموضوعية
للنجاح في أداء دوره في الحياة
العامة، إلاَّ إذا كان حريصاً على
خدمة المصالح العليا للعالم
الإسلامي، مدافعاً عنها بالتي هي
أحسن، وفقاً للمنهج الإسلامي في
الدعوة إلى الله ومخاطبة الناس
وتعريفهم سبل الخير والفضيلة
والعدل والسلام، على علم وبصيرة،
ومن مستلزمات العلم الأخذ
بالأساليب الحديثة المتطورة في
توجيه الخطاب، وتحليله، ومراجعته،
وتجديده، من خلال التعامل المؤثّر
مع المتغيّرات والمستجدات.
والخطاب الإسلامي في مبناه
ومغزاه، هو خطابٌ إنسانيٌ، يهدف
إلى الحوار والتفاهم والتعايش
والتعاون مع جميع الأطراف في
المجتمع الدولي من أجل إشاعة قيم
العدل والسلم والخير، وهو بحكم
صدوره عن المرجعية الإسلامية،
ينأى عن العنف والتطرف، ويرفض
الإرهاب بكل أشكاله ويندّد به في
كل المحافل، ويدعو إلى احترام
حقوق الإنسان وصيانتها ومنع الظلم
والعدوان والفساد في الأرض.
ويترتَّب على تجديد الخطاب
الإسلامي الجامع بين الأصالة
والمعاصرة، تجديد البناء الحضاري
للعالم الإسلامي، بتقوية الذات
وتحصينها، وبالترقي في مدارج
العلم والمعرفة والإبداع في
حقولهما، وبنفخ الروح في التضامن
الإسلامي حتى يصير قوّة للدفع
وللتدافع الحضاري، ومصدراً لإذكاء
حوافز التقدم في الميادين جميعاً.
(1) ابن
منظور، لسان العرب،
المجلد 2، ص856، طبعة دار
الجيل ودار لسان العرب،
بيروت، 1988.
(2) أبو
البقاء الكفوي، الكليات،
ص 419، طبعة مؤسسة
الرسالة، بعناية د. عدنان
درويش ومحمد المصري،
بيروت، 1992.
(5)
سورة النبأ، الآية 37.
(6)
معجم ألفاظ القرآن
الكريم، المجلد 2، مجمع
اللغة العربية، الهيئة
العامة لشؤون المطابع
الأميرية، القاهرة، 1996.
(7)
الآمدي، الإحكام في أصول
الأحكام، الجزء 1، ص 136،
دار الكتب العلمية، بيروت
1980، حيث يقول: "إن
الخطاب هو اللفظ المتواضع
عليه، المقصود به إفهام
من هو متهيئ لفهمه":
ويقول د. طه عبد الرحمان
في كتابه "اللسان
والميزان" ص: 215 (طبعة
المركز الثقافي العربي-
الدار البيضاء 1998): "إن
المنطوق به- أي الخطاب-
الذي يصلح أن يكون
كلاماُ، هو الذي ينهض
بتمام المقتضيات
التواصلية الواجبة في حق
ما يسمي خطاباً، إذ حدُّ
الخطاب أنه كل منطوق به
موجَّه إلى الغير بغرض
إفهامه مقصوداً مخصوصاً".
(8)
سورة النحل، الآية 125.
(9)
محمد على الصابوني،
صفوة التفاسير، الجزء 2،
ص 148، إدارة الشؤون
الدينية بدولة قطر، 1981.
(10) د.
يوسف القرضاوي، الصحوة
الإسلامية من المراهقة
إلى الرشد، ص 268، دار
الشروق، القاهرة، 2002م.
(11)
سورة النحل، الآية 125.
|