Home

 

إلى أين المسير؟

(هذا الملخص مقتبس من مقدمة د. شاز لكتابه الكبير متعدد المجلدات "إدراك أسباب تراجع الأمة")

منذ قرون عدة ونحن المسلمين نجد أنفسنا في منحدرٍ زلق؛ ولأننا نعاني وطأة التخلف، ينتابنا شعورٌ بعدم الارتياح لأننا لم نعد الأمة التي تملك ناصية التاريخ، غير أنه يصعب علينا الاعتراف بهذه الحقيقة. وطالما أننا لا ندرك على وجه الدقة شدة وطأة هذا التخلف وأبعاده المختلفة، فلن يتسنى لنا التعرف على طبيعته على الوجه الصحيح؛ وبالتأكيد لن يكون هناك تحركٌ فعالٌ ومُركز لإيجاد علاج لهذا الموقف؛ فقد تحدث مفكرونا على مدى القرون العديدة الماضية عن تخلفنا، الأمر الذي خلف شعوراً سائداً بأننا فقدنا شيء ما في مكان ما. ومع هذا فلم يكن هناك غير عدد قليل جداً من المحاولات الجادة التي تبذل لتحديد الخسارة وإظهار أبعادها؛ فما كتب عن أسباب هذا التخلف منذ سقوط بغداد وغرناطة جاء ضئيلاً وهزيلاً لدرجة تثير دهشتنا من الأسباب التي جعلت جموع مفكرينا ومثقفينا البارزين تتناول هذه القضية على استحياء؛ هذا بالإضافة إلى أن ما كتب عن تلك المسألة لا يعدو أن يكون تعليقات ركيكة أكثر من كونه عملا متماسكًا متكاملاً.

وعندما يترسخ لدينا أن الدين ما هو إلا تقليد أعمى للعلماء المتقدمين، ويستند هذا الفكر إلى أن أجيال المتقدمين قد أتموا عملية الفكر والتدبر، فسيبدو أن أيسر شكل للحياة الدينية الصالحة لن يتأتى إلا باتباع السابقين واستقاء العلم من مدارسهم الفقهية؛ وفي مثل هذا الجو الذي يسوده التقليد لا يُتوقع ممن يعيشون فيه أن ينظروا إلى المتقدمين بعين ناقدة؛ وإذا كانوا يؤمنون بأن العلماء السابقين قد استنبطوا من الوحي السماوي كل ما يمكن استنباطه وعبروا عن ذلك بكتاباتهم الشهيرة، فلن يخطر ببالهم أبدًا أن يحاولوا فهم القرآن الكريم بأسلوب جديد ويعملوا على تقييم رصيدهم الثقافي والديني في ضوء كتاب الله عز وجل. وقد أرجع العديد من الناس تخلفنا إلى بعدنا عن الدين، وأنه بعودتنا إليه سوف نعود إلى مكانتنا السيادية السابقة. مبدئيًا تبدو هذه الإجابة منطقية، ومع ذلك لما نستطع أن نحدد بوضوحٍ كيف يمكننا الرجوع إلى الله ورسوله في عالمنا اليوم، وبعبارة أخرى إننا لم نستطع تحديد الأسباب الوجيهة التي أدت إلى هذا التخلف والابتعاد عن مكانتنا العظيمة وهي أننا أتباع النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). وهذا هو السبب الذي جعلنا لا نزال غارقين في ورطة التخلف على الرغم من جهودنا التي رمت إلى استعادة مجدنا السابق والرجوع إلى الدين الحنيف. بل إننا ندرك حقيقةً أن قافلتنا التي ليس لها اتجاه محدد قد تضل الطريق عن هدفها الذي تصبوا إليه.

وتتوق قلوبنا إلى أن يضيء نور الوحي الإلهي طريقنا من جديد، وأن يرشد قافلتنا، التي طالما عانت من عدم وجود وجهة لها، كي تصل إلى غايتها المنشودة؛ ولكن المشكلة هي أننا في طريق عودتنا إلى أصل الدين نريد أن نحصل على موافقة من علماء الأجيال السابقة. وقد أيضًا نعتقد، وحالنا في ذلك حال اليهود، أن منهج السابقين في الفهم والدراسة ليس عرضة للخطأ، بل ونُنزل ما وصلوا إليه وما استنبطوه من أحكام منزلة الوحي نفسه، ولذلك فإننا نؤمن أن فهم القرآن الكريم فهمًا جديدة هو أمرٌ يفوق مستوى قدراتنا، كما أن قبضة ما يُطلق عليهم اسم "السلف الصالح" على الوحي الإلهي ما زالت قوية؛ حتى أننا توقفنا قرونًا عن استقاء الهدي مباشرةً من القرآن الكريم. فيبدو أننا نولي تراثنا الحضاري والعلمي أهمية أكبر من القرآن الكريم ذاته، وليس ذلك لأي سبب إلا أننا - حتى ونحن في أحلك أوقات الأزمات - جمدنا فهمنا للقرآن الكريم، ولكن ألم يحن الوقت لأن نهجر فكر المتقدمين. وفي حقيقة الأمر، إننا لا نعي تلك الأزمة الشديدة في الفكر الإسلامي التي حدثت في العصور الأولى للإسلام تحت تأثير فكر الحضارة اليونانية وفلسفة الحضارتين الهندية والفارسية والرهبانية القديمة؛ بل إننا لا ندرك ما تحمله من معاني. فمنذ بداية الفتنة التي أحدثها قتل عثمان بن عفان وصولاً إلى فترة ازدهار بغداد حاضرة العباسيين، ونحن نحاول باستمرار الخروج عن محور الوحي الإلهي. فقد انساق الناس وراء تأثير طرق غريبة من التفكير، كما لو كانوا ينظرون إلى أهمية دين موحى وإيمان أبدي مثل الإسلام من المنظور السطحي لأية حضارة. ومن هنا أصبحت الحضارة الإسلامية هي مرجع هويتنا وليس الإسلام نفسه؛ ففي هذه الفترة الطويلة بذل المفكرون المسلمين، متأثرين في ذلك ليس فقط بالسلف الصالح بل بالعلوم والحضارات الغريبة والأجنبية، جهودًا جادة وغير جادة لفهم الوحي السماوي متبعين في ذلك نماذج أجنبية. فإذا كان بعض العلماء قد انبهر بطريقة التفكير اليوناني، فإلبعض الآخر حاول عبثًا أن يوفق بين مفهوم الرهبانية القديمة والإسلام. وبغية تصحيح تلك الالتباسات الفكرية، منهم من استعان بالتاريخ، في حين أن هناك آخرون شعروا أن الاتجاه البدوي سوف يساعد بقدر أكبر من أية مناقشات أو شروح أو تفسيرات. وخلال تلك الفترة من الأزمة التي ظهرت في الفكر الإسلامي، كان هذا الانتشار الواسع نتاجًا لفهمهم ورؤاهم الخاصة. ولكن الاعتقاد المطلق بصحة اتجاه واحد فقط من بين هذه الاتجاهات يعني أننا نرفض تماماً الاتجاهات الأخرى، أو بعبارة أخرى إذا اختلف السلف الصالح فيما بينهم حول مسألة ما فسيكون من الحكمة أن ندرس كل تلك الاتجاهات في ضوء الوحي؛ وذلك حتى يتسنى لنا فهم أوجه الاختلاف بين المتقدمين بل وأن نكون أكثر ثقة في تخطيط طرقنا في ضوء الوحي السماوي. ولن يتحقق هذا إلا إذا اعتبر الإنسان المعاصر نفسه هو المخاطَب بالقرآن الكريم. وهذا ما يؤيده رأي الشاعر الإسلامي محمد إقبال الذي يقول إن القرآن لم ينزل للأجيال السابقة فحسب بل نزل ليخاطب كل القلوب. فإذا لم يتحلى المخاطَب بمثل هذه الثقة، فإنه لن يستطيع أن يقي نفسه من تلك الالتباسات الفكرية التي وقع فيها بعض العلماء المتقدمين، وبالتالي سوف تفنى كل آماله في الرجوع إلى القرآن الكريم بسبب ارتداءه عباءة التفسيرات القديمة.

ولن يمكننا أبداً وضع حد لهذا التخلف الذي وصلنا إليه دون العودة إلى الفهم الصحيح للقرآن؛ وهذا هو رأس المسألة الذي سكت عنه مفكرونا، الأمر الذي يثير دهشتنا. مع ذلك، فإن عدم انحيازنا للوحي الإلهي ليس ظاهرةً جديدة، فقد بدأت منذ أن أُعطي لحفاظ الحديث مكانة أعلى من مكانة القراء، وخلال جمعنا وتصنيفنا لآثار وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، حَوّل إدراكُنا المتغاير للتاريخ اتجاهنا نحو القرآن الكريم. وسرعان ما وجدت الإسرائيليات والأساطير الطويلة التي لم تُذكر في القرآن، تحت تأثير الأفكار اليونانية، طريقها إلى التفاسير. وإذا أردنا أن نمسك بأهم خيط من خيوط تلك المسألة، فعلينا أن نعرف الطريقة التي فُقدت بها رسالة القرآن خلال الممارسات التفسيرية. والشيء الذي يُرثى له أنه على الرغم من تلك القرون التي مضت من تفسيرات وشروح القرآن، إلا أننا ما زلنا لا نقبل القرآن كتابًا يُهتدي به. وإن كنا قد صرفنا جميع جهودنا العقلية في الماضي لمحاولة فهم مسألة "خَلق القرآن"، فإننا اليوم نفقد هذه الطاقات ونحن ندرس الإعجاز العلمي في القرآن الكريم على أنه غاية الوحي الإلهي. فالاتجاهات المختلفة التي ظهرت لدراسة القرآن تتناقض كلية مع أهداف الوحي الإلهي وغاياته، ومن المنتظر أن يعود ركبنا الفكري الذي ضلّ طريقه إبان العصر العباسي إلى الطريق القويم مرة أخرى. وطالما ظلّ الوحي لا يُفهم بالطريقة المناسبة كوحدة مستقلة من المعارف، فإن مناقشاتنا غير المنطقية ومماحكاتنا الحمقاء لن تساعدنا في فهم ذلك، وسنظل نخلط بين فهم الإسلام من ناحية وعظمة الإسلام إبان العصر العباسي من ناحية أخرى.

ويجب أن يتم بحث مسألة تخلف الأمة الإسلامية وتدهورها من منظور تخلف في طريقة الحياة وليس من زاوية تخلف القوم أنفسهم، فإن فعلنا ذلك سوف نتمكن من إدراك جملة أبعاد هذه المشكلة؛ وفي هذا الصدد، يعتبر اصطلاح "الحضارة الإسلامية" اصطلاحًا مضللاً واستعمالاً خاطئًا في غير موضعه، لأنه لا يمكن حصر الإسلام على قالب حضاري معين؛ فلا يمكن لرسالة عالمية مثل رسالة الإسلام أن تظل حبيسة ثقافة أي جنس أو لغة أو منطقة. إن من يرى أن بغداد حاضرة العباسيين كانت هي العصر الذهبي لازدهار الحضارة الإسلامية لا يدرك عظمة الحضارة في المدينة المنورة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو ينظر نظرةً سطحية قاصرة إلى مظاهر المهابة والجلال والعظمة. فالإسلام لم يأت لإقامة إمبراطورية عربية، إلا أن هناك طائفة كبيرة من المفكرين المسلمين قد أعطوا تبريرات إسلامية للحكام لعمل توسعات في هذه الإمبراطورية. فقد قام بعض القادة السياسيين المنحرفين والحكام الظالمون ببناء دول وإمبراطوريات لهم تحت اسم الإسلام، الأمر الذي جعل الاعتقاد السائد هو أن الإسلام قُصد منه دعم فكرة تحقيق الغلبة للأمة الإسلامية أكثر من كونه هداية للبشرية جمعاء؛ وهذا المفهوم الإسلامي والطريقة الثقافية في إظهاره على وجه الخصوص لا تتشابه إطلاقا مع نموذج المدينة المنورة الذي بُني بقوة الكلمة – الفكرة الإصلاحية - والذي لم يكن له أية مرجعية تاريخية للقوم، ولم يلق بثقله على عاهل من كان يطلق عليهم اسم المسلمين في ذلك الوقت (أي اليهود والنصارى)، بل على النقيض ظلّ (فكرياً وعقائدياً) بعيدًا عنهم ومؤكداً على مبدأ (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة).

وقد عبرت الدعوة إلى هذا الإسلام الحنيف كما عبر النداء القرآني العظيم" كونوا ربانيين" تعبيرًا صادقا عن قوة وحقيقة الوحي، وهي القوة التي تكمن في القوة الداخلية للقرآن ذاته، وليس فقط في العلوم المنبثقة عنه أو المتفرعة منه؛ ومن هذا المنطلق لم يكن الأمر بإتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم مبنيًا على أساس هويةٍ حضارية بل كان أساسه التغيير الجذري في عالم الفكر والعمل. فالناس كانوا يرون أنه الإسلام الحق يعني أن تكون مثاليًا وتسمو فوق كل شيء بعيدة عن أية حدود حضارية، تلك الفكرة التي وصفت كل الأسس السابقة لأية حياة جماعية بأنها مكررة، فالمسلم الحنيف والذي كان نتاجًا حقيقيًا لهذه الفكرة الإصلاحية يمكن وصفه بأنه إنسان عالمي بالمعنى الحقيقي للكلمة، ومن هنا كانت كل دعوة إلى اعتناق الإسلام الحنيف تفتح أمام العباد احتمالات غير محدودة من العبودية؛ فقد كان سلمان الفارسي وبلال الحبشي يعتبران نفسيهما، مثل أبي بكر وعمر، عضوين في تلك المدرسة الفكرية التي لا تلقي اعتبارًا لعصبية العرب والعجم، أو تميز بين الأبيض والأسود أو التمييز بين لون ما أو جنس ما. فالتطبيق العملي لمبدأ "إن أكرمكم عند الله اتقاكم" قدّم الإسلام في صورة منهج حياة وليس كعلامةٍ لهويةٍ ما، ومن هنا كان الإسلام بابًا مفتوحًا تدخل منه الفئات المهملة من قوافل البشرية زمرًا، و قد وجد كل واحد منهم، حسب إمكانياته، المجال لخلاصه ونجاته. حتى أن الذين انشغوا بتأسيس أركان الدين أو اشتركوا في الفهم الخاطئ عن حصر بقاء الإيمان في إيمان قوم موسى وعيسى (عليهما السلام)، قد دعاهم الإسلام للمشاركة في تأسيس مجتمع عالمي. وبعبارةٍ أخري كان قول الله تعالى: قل ياهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم

فكان نداءً عامًا للجميع؛ وقد امتد هذا النداء ليصل إلى كل أصحاب الضمائر الحية حتى لا يُحرموا من أن يلحقوا بركب تلك القافلة التي اجتمعت على أساسٍ رغبتهم في الاستسلام لرب الأكوان وإيمانهم بوحدة البشرية، بغض النظر عن اللون أو الجنس وبغض النظر عن الروابط القبلية أو الثقافية ضيقة الأفق.

فمن الواضح أنّ هذه الرسالة السماوية المتفائلة سوف تحتضن المذنبين والعصاة ومن لا قيمة لهم من البشر عند اعتناقها، وهنا يعطي الوحي الرباني الشخص الشعور بالمغفرة و سوف تبعث سياسة المساواة الأمل حتى بين أكثر الناس ضعفًا واضطهادًا؛ وعلى العكس عندما بدأنا نقرأ القرآن الكريم على أنه كتاب للفقه أو الشريعة وليس على أنه كتاب للهداية، أصبح علماؤنا في التفسير، في واقع الأمر، منادين بهذا التصريح القرآني "وقالوا كونوا هوداً أو نصارى" أكثر من خلق مسلم صالح. فقد صرفنا كل جهودنا وطاقاتنا في خلق مسلمين تقليديين تمامًا مثلما فعل اليهود والنصارى. ومن هنا بدأ الإسلام يُعرف بأنه محدد للهوية وليس كموقف من حياة. هذا بالإضافة إلى أن التفسير الفقهي للقرآن الكريم لم يشعر الآخرين فحسب بأن أبواب الإسلام موصدة أمامهم بل أظهر الارتباك والخلاف داخل الأمة الإسلامية؛ فقد تعتبر أحد الفرق التي تنتمي لنفس المجتمع أن من واجبها الديني تكفير فرقة أخري. وفي ظل فوضى تلك المزاعم التي ترمي بالكفر والرد عليها بمثلها أصبح من الصعب معرفة من يستحق أن يدعى مسلمًا حقيقيًا؛ فقد مضت قرون كثيرة ولم يستطع الفقهاء التوصل إلى إجماع حول الأركان الأساسية للإيمان؛ فهناك كثير من كتب العقيدة الكثيرة والتي ظهرت في عصور مختلفة تقف شاهدًا على أن فكرة الاستسلام الكامل لله تعالى والتي فرضها على المسلمين قد فُقدت في إطار التأملات العقلية للفقهاء المسلمين. وعلى الجانب الآخر، هناك تذكرة في القرآن تقول: ان الله يفصل بينهم يوم القيمة

في حين أنً هناك تأكيدٌ صارم بين الكتب التي ألّفها العلماء في الفرق المختلفة أنه يجب قبول ما قالوه في كتبهم إذا ما أرادوا أن يصبحوا مسلمين حقا؛ وعندما أعلن العلماء أنفسهم مرجعيات دينية، بدلاً من أن يعتبروا أنفسهم تلاميذًا للوحي، كان من الطبيعي أن تنشأ مثل هذه الالتباسات.

لقد وحّد الوحي الرباني الفرق المختلفة والمشتتة وربطهم برباط مشترك؛ فقد أعلن صراحة أن جميع الأنبياء السابقين وأتباعهم المخلصين ينتمون إلى أمة واحدة تؤمن بوحدانية الله تعالى سواءٌ كان إبراهيم ويعقوب وذريتهم من الأنبياء أو النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي ينتمي إلى ذرية إسماعيل. كانوا جميعًا ينتمون إلى كوكبة رائعة من الأنفس النقية؛ فمن شاء أن يدخل في تلك القافلة فلا يمكن له أبدًا أن يتبرأ من أتباع الرسل السابقين، وقد وحّد البيان القرآني  لا نفرق بين احد من رسله الأنفس النقية من المسلمين في شتى بقاع الأرض ومن كل الأمم وجعلهم أمة واحدة.

وفي سياق هذه الدعوة الإسلامية العالمية يفقد كل من الفخر العنصري لليهود وزعم النصارى أن الخلاص يكون في الإيمان بدينهم وزنه؛ وكثيراً ما أكّد القرآن الكريم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يأت بدعوة جديدة أو دين جديد ولا يهدف إلى تشكيل أمة جديدة بل مهمته إحياء ملة إبراهيم، هذا الدين الذي يعتبر الأسوة المتبعة في كل العصور.وقد كان هذا الأسلوب القرآني للتخاطب محاولة جديرة بالثناء من أجل توحيد المسلمين من شتى البقاع ومن كل الأمم، واختير لقيادتهم سيدنا محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى آخر الزمان. إنّ مفتاح نجاح حياة النبوة القصيرة التي عاشها النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد البعثة خلال الثلاثة والعشرين عامًا يكمن في هذه الرؤية واسعة الأفق للقرآن الكريم.

وهذه ما هي إلا محاولة لفهم الظاهرة السابقة؛ أي كيف يحظى ما كتب عن الوحي الإلهي في العصور الأولى للإسلام بمثل هذا الاهتمام، بدلاً من الاهتمام بالوحي ذاته لدرجة أصبح معها الإسلام الحنيف ما هو إلا مجرد هوية؛ فالكتاب، الذي يبدأ بإثبات أنه (هدى للمتقين)، يبدو من خلال التفسيرات الفقهية لهذه الآية، أنه يغلق الباب أمام المتقين من أهل الثقافات الأخرى. إنّ عواقب التفسير الفقهي الخالص للقرآن وإعلان أنّ هذا هو جوهر الدين تكمن في أن تلك الأمة التي شرفها الله بمنصب قيادة العالم وقعت في شرك سيكولوجية المجتمع المحمدي؛ فبالإعراض عن مشاكل العالم والتخلي عن فلاح البشرية، بدأنا نركز اهتمامنا على هوية ثقافية معينة لأمة قدر لها أن تكون مسلمة؛ حتى أن فقهاءنا قد قسموا العالم إلى دار للإسلام وأخرى للكفر مما قد يعطي الانطباع بأنه ليس لنا علاقة بتلك المناطق الأخرى التي ليس فيها سكان مسلمون. ويرجع السبب في تخلينا عن مسئولية قيادة العالم في الحقيقة إلى بعض التفسيرات المضللة للقرآن؛ ومع تقدم الزمان، تزداد الجهل بالقرآن أكثر وأكثر. وإذا لم نتدارك أخطاءنا السابقة، فإن كل خطوة إلى الأمام سوف تحدث مزيدًا من الالتباسات. وما نحتاجه الآن هو أن نتعرف على العواقب الوخيمة للالتباسات التي حدثت في ماضينا، وهذا يدفعنا إلى أن نخرج من دوامة الشر التي هوينا فها، ثم كما وعد الله سبحانه وتعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين

وبهذه الطريقة نلتمس السبل والإمكانيات الجديدة لأنفسنا، ويقتصر حديثنا في هذا الجزء من الكتاب على إدراك الالتباسات وفي الجزء القادم، إن شاء الله، سوف نتحدث عن سبيل للخروج من كبوتنا الحالية وسبل عودتنا إلى مركز السيادة مرة أخرى.

 

Home


اطبع  ملاحظات أضف الى المفضلة  أخبر صديقك   
 

 
 

 

 

 

 

 


Privacy Policy

حقوق النشر، فيوتشر إسلام 2004 جميع الحقوق محفوظة