
القضية الفلسطينية: لو علمنا
الحقيقة
منذ فترة طويلة، والأرض الفلسطينة
تنتظر حلاً عادلاً لقضيتها. فجميع
الجهود التي بذلها كلا الجانبين
حتى الآن، لم تثمر عن أية نتائج
مبشرة؛ وإن أثمرت عن أية نتائج،
فإنها يقيناً غير مشجعة، كما أن
الخسائر في الأرواح تتصاعد يومًا
بعد يوم. فعلى أحد الجانبين نجد
دولة إسرائيل المسلحة بأحدث
الأسلحة، بينما على الجانب الآخر
نجد فصائل متنافرة لمنظمات
المقاومة التي لا حول لها ولا قوة
ولا تملك أية أسلحة سوى أرواحهم.
وخلال الخمسين سنة الماضية، تنامت
حدة الكراهية بين الجانبين؛ وفي
هذا الجو المشحون من الكراهية ضاع
صوت الحكمة والعقل في هذا الخضم
الهائل من الشعارات المتعصبة.
فالوضع الراهن ما هو إلا تكدس جثث
الضحايا هنا وهناك من كلا
الجانبين؛ والفارق الوحيد هو أن
عدد الجثث المتكدسة ربما زاد في
أحد الجانبين عن الجانب الآخر.
والعجيب أن هذه المعركة تدور
رحاها بين شعبين يعتبر كل منهم
نفسه أكثر المؤمنين إخلاصًا لله
عز وجل؛ بل إنهم يبحثون عن شرعية
كفاحهم انطلاقاً من إيمانهم برب
إبراهيم واتباع شرائع أنبيائهم.
ولقد أضفت القيادات الدينية
والسياسية في كلا الجانبين
المتنازعين على الحرب سمة الصراع
بين الخير والشر. فكلاهما لا يقبل
التفاوض على شبر واحد من الأرض
الفلسطينية، أو حتى الوصول إلى
تسوية بشأن ذلك. وفي ظل هذه
الظروف، تقول النتائج المنطقية
الوحيدة التي يمكننا التوصل إليها
إن الجانب الأقوى هو الذي سيفوز
بالمعركة.
ومع ذلك، تكمن المشكلة في أنه إذا
كانت قوة الدول في عالمنا اليوم
قد ازدادت بشكل غير طبيعي نتيجة
الهيمنة التكنولوجية لهذه الدول،
فإنه على الجانب الآخر نرى أن
أساليب حرب العصابات التي تتبعها
المنظمات الإرهابية المتطرفة قد
أصبحت سلاحًا في أيدي الضعفاء ممن
لا حول لهم ولا قوة، الأمر الذي
لا يمكن لأي دولة تجاهله أو
القضاء عليه.
فالإسرائيليون يعلمون جيدًا أنه
على الرغم من القوة المطلقة
لدولتهم، فإنهم لا يستطيعون أبدًا
محو كل الفلسطينيين من على وجه
الأرض. كذلك يعلم الفلسطينيون
جيدًا إنهم لن يستطيعوا بعملياتهم
الإستشهادية أن يوجهوا لدولة
إسرائيل ضربة مميتة، ولكن كلاهما
ما زال يدور في رحى فكرته التي
تسيطر عليه بشأن تاريخه المقدس
بطريقة يستحيل معها، فيما يبدو،
الخروج من هذا المأزق. وقد خارت
قوى كلا الجانبين بعد حرب
الاستنزاف الطويلة هذه، ولكن
أحدًا من الجانبين غير مستعد
لقبول هذه الحقيقة، بسبب شعورهم
الزائف بالفخر القومي.
وخلال هذا المنعطف التاريخي، الذي
ينشغل فيه متبعوا التوراة
والمؤمنون بالقرآن في صراع مهلك،
ويزعم كل منهما أنه الوريث الشرعي
للأرض المقدسة؛ يجب على الذين
يتقون الله وتمتلئ قلوبهم بخشيته
من كلا الجانبين؛ والذين يَسمون
بأنفسهم فوق اعتبارات المصالح
الطائفية ضيقة الأفق؛ ولا يسعون
إلا لمرضاة الله – سبحانه وتعالى
– أن يتقدموا للأمام ويدلوا
بإسهاماتهم في ضوء تعاليمهم
الدينية وأن يخلقوا فرصًا للحوار
بغية وضع حد لتلك الحلقة المفرغة
من العنف والخسائر البشرية التي
لا نهاية لها.
ومنذ أن ظهرت دولة إسرائيل للوجود،
اعتبر عدد من علماء اليهود أن
قيام هذه الدولة يعارض ماجاءت به
التوراة، وحجتهم أنه ليس هناك
مبرر لقيام دولة لبني إسرائيل قبل
مجيء المسيح. كما أعلن عدد ليس
بقليل من المفكرين اليهود الشجعان
إن دولة إسرائيل معادية للسامية
في توجهاتها لأنها دولة يتم فيها
الاستهزاء بتعاليم التوراة علنا.
بل إن النقد والمعارضة اللتان
قادهما العلماء اليهود أنفسهم ضد
الحكومة الإسرائيلية فيما يتعلق
باضطهاد الفلسطينيين ربما كانتا
أشد وطأة من أية معارضة أو نقد
خارجي. ولو قرأت كتابات هؤلاء
العلماء اليهود الذين يخشون الله
ثم ألقيت نظرة على الحركات
المناهضة للإضطهاد الإسرائيلي
للفلسطينين داخل إسرائيل نفسها؛
سوف يتضح لك إن هناك عددًا ليس
بالقليل من النفوس التقية بين
اليهود والذين نجد أن الله قد
أثني عليهم في قرآنه. وأشد ما
نحتاج إليه من جانب المسلمين ليس
مجرد نزعات قومية متشددة، بل إلى
مبادرة قوية ترتكز على تعاليم
القرآن التي يمكن أن تقودنا إلى
حل قرآني.
ولا شك في أن قضيتنا قوية وعادلة
من وجهة النظر القومية؛ فنحن من
قامت على أراضيهم دولة زائفة
فرضتها قوة وحشية، وأعلنت علينا
حرب متواصلة بلا هوادة. وإذا ما
اعتقدنا أنه لا يوجد حل سلمي آخر
للمشكلة الفلسطينية غير طرد قوات
الاحتلال الإسرائيلي واستئصال
شأفة إسرائيل، فإنه لا أحد يمكنه
أن يتهمنا بالتحيز لاتخاذ مثل هذا
الموقف. ومع ذلك فإذا اعتبرنا أن
هذه هي كلمتنا الأخيرة في هذه
القضية، فذلك يعني إعاقة أية
إمكانية للحوار مع الطرف الخصم؛
وعندئذ، ومن أجل إنهاء هذه
المشكلة، لن يكون لدينا سوى
التصريحات المتوعدة التي كنا ولا
زلنا نسمعها في الخمسين سنة
الأخيرة، والتي رغم التزامنا بها
لم نستطع أن نقترب من حل المشكلة
ولو قيد أنملة. وفي محاولاتنا
المستمرة لحل المشكلة، اعتدنا
معالجة هذه القضية الإنسانية
الحساسة بطريقة شاعرية، وأحيانا
كثيرة ما يسمع المرء تصريحات مثل
"لو أن كل مسلم من مسلمي العالم
أفرغ دلوا من الماء على إسرائيل
لمحيت من الوجود" أو مثل "لو أن
كل مسلمي العلم بصقوا على إسرائيل،
لغرقت إسرائيل بأكملها". مثل هذه
التعبيرات الانفعالية تجعل الدم
يتدفق في عروقنا بصورة مؤقتة، لكن
جدواها العملية غير واضحة المعالم
حتى بالنسبة لمن يصدر عنهم مثل
هذه التصريحات.
وعلى أحد الجانبين، نجد حكومة
شارون المستبدة القاسية التي
تجاوزت جميع الأرقام القياسية في
الوحشية والقمع الإنساني، فكل
مؤسسات الدولة غارقة في الفساد،
كما أن سجل أريل شارون وأفراد
أسرته لا يخلو مما يشينه خاصةً
عندما يتعلق الأمر بالموارد
المالية العامة للدولة. وعلى
الجانب الآخر نجد عرفات ورفاقه
الذين بددوا الأموال التي
يتلقونها كمساعدات من الدول
المختلفة باسم الشعب الفلسطيني
التعس. فلا حكام إسرائيل يضعون
نصب أعينهم عقيدتهم اليهودية؛ ولا
السلطة الفلسطينية تسعى إلى إرساء
دعائم حكم إسلامي صحيح قائم على
القرآن في فلسطين؛ بيد أن الذين
يقدمون أرواحهم من كلا الجانبين
بنفس راضية؛ يدفعهم إلى ذلك وازع
من مشاعرهم الدينية الخالصة
ويؤمنون بكل إخلاص بأن استشهادهم
وتقديم أرواحهم هو واجب ديني.
وسؤالنا هنا: هل هناك ما يبرر
التضحية بالكثير من الأرواح من
أجل أن يستمر حكم شارون أو عرفات
أو من أجل إنشاء دولتين في
المستقبل؛ كلاهما سيكون ضد
التوراة وضد القرآن؟!
إذا كانت الحكومة الإسرائيلية
والسلطة الفلسطينية، بالرغم من
استخدامهما لتعبيرات غير دينية أو
حتى تعبيرات تصطدم بالدين،
قادرتين على تجنيد دعم الطوائف
الدينية المتطرفة؛ فذلك سببه أن
القيادة الدينية في كلا الجانبين
قد وقعت بصفة عامة في مصيدة
التاريخ باسم الدين؛ وهو مفهوم
تاريخي كساها بهالة من التقديس،
بسبب تمجيدنا للماضي، وليس له
علاقة بالأهداف الحقيقية للعقيدة.
وما نحتادج إليه حاجة ماسة في
الوقت الحالي، هو أن لا ننظر إلى
القضية من منظور المجتمع الإسلامي
فقط؛ بل أن نحاول أن ننظر إليها -
بعقل متفتح - من منظور الطرف
الآخر أيضًا، ثم نحاول أن نجد حلاً
عمليًا لهذه القضية شديدة التعقيد
في ضوء وجهة النظر القرآنية.
ويقول اليهود أنه بمجرد أن يسير
المرء مسافة أربعة أقدام مربعة في
الأرض المقدسة فلسطين، فإنه بذلك
يضمن دخول الجنة. وهم لا يستطيعون
أن يقدموا دليلاً واحدًا من
التوارة من أجل إثبات هذا
الاعتقاد الخرافي. وبالطبع فإن
التلمود يعج بمثل هذه الأنباء
الطيبة. بل إنهم يقولون إن حياتهم
الدينية لا تكتمل دون وجود بيت
العبادة الخاص بهم (في فلسطين).
وباستثناء مذبح الأضاحي في هيكل
سليمان لا يوجد لدى اليهود أي
مفهوم للتضحية في أي مكان آخر.
واليهود المتدينون الذين قامت
السلطة السياسية باستغلالهم،
والذين كانوا يصلون لأزمنة طويلة
من أجل عودة أرض كنعان، يشعرون
أنهم بعد شتات دام ما يقارب
الألفي عام قد غدوا مسلحين بقوة
الكافية لتمكنهم من استعادة
الحياة الدينية لهيكل سليمان مرة
أخرى. لذلك فإنهم لا يريدون أن
تفوتهم هذه الفرصة التاريخية.
وعلى الجانب الآخر، فإن القمع
والوحشية التي ترتكبها إسرائيل ضد
الفلسطينين؛ وطردهم من أراضيهم هي
حقائق ماثلة من التاريخ المعاصر
لا يمكن لأحد أن يتجاهلها.
علاوةً على ذلك؛ فإن المكانة
الراسخة للمسجد الأقصى ومسجد قبة
الصخرة في وجدان المسلمين لكونهما
يمثلان القبلة الأولى للمسلمين قد
جعلت هذا الجزء من أرض فلسطين
مكانًا مقدسًا بالنسبة للمسلمين
كما هو مقدس بالنسبة لليهود.
ولذلك فإن أية تسوية بشأن هذه
الأرض المقدسة يراها كل من
الطرفين على أنها بيع للقضية التي
يدافع عنها. وإن اغتيال أنور
السادات وإسحاق رابين على يد
مواطنيهم يبرز لنا قوة هذا الشعور
في كلا الجانبين. وهذا جانب واحد
من جوانب المشكلة نراه قد لعب
دورًا رئيسًا في جعل المواجهات
شديدة الدموية والقسوة.
وفي فترة حاسمة عندما تصل حدة
العاطفة إلى ذروتها في كلا
الجانبين، ويبدو أنه لا إمكانية
لحدوث حل عادل وشامل للمشكلة، حيث
يجد أتباع إبراهيم ومن هم من نسل
إسماعيل وإسحاق أنفسهم في معركة
مميتة بشعة تدور رحاها من أجل
الاستيلاء على نفس مكان العبادة؛
وعندما ينسى الداعون إلى توحيد
الله أن الله يريد منهم الاستسلام
المطلق له وليس صلاتهم في مسجد
خاص أو نوع معين من بيوت العبادة،
لذا فإنه يتحتم علينا نحن
المسلمين أن نتقدم للأمام بصفتنا
حاملين للقرآن وأن نذكر الناس
بالحقيقة الغائبة وهي أن الله لا
يريد اليهودية ولا المسيحية ولا
الإسلام التقليدي؛ ولا أي نوع من
المسميات الأخرى؛ ولا يريد
العبادة الطائفية التي يؤدونها في
هذه الأماكن. فالله تعالى يعتبر
قولهم:
وقالوا كونوا هوداً او نصارى
نوعًا من التوبيخ ويدعوا الناس أن
يكونوا من اتباع ملة إبراهيم (ملة
إبراهيم حنيفًا) عليه السلام.
ونحن اليوم في أمس الحاجة لأن
يقوم أصحاب النفوس التقية الورعة
من أتباع إبراهيم عليه السلام
بالتحرك ومحاولة انتشال فلسطين من
مستنقعها الحالي من أجل نيل رضا
الله؛ ولا يأبه أحد من هولاء
بردود الفعل الغاضبة على قيامهم
بذلك من قبل مجتمعاتهم وما إذا
كان موقفهم هذا سيؤثر سلبًا على
مصالحهم الوطنية. وفي الماضي،
عندما نصح عضو الكنيسيت إفراهام
بيرج إسرائيل بالتعامل مع القضية
الفلسطينية بصورة واقعية، ثار
عليه العالم الصهيوني واعتبروه
عدوًا لليهود. ويوجد الكثير من
أمثال أفراهام بيرج بين
الإسرائليين. إن المشكلة هي أننا
من أجل فهم المجتمع الإسرائيلي
نقوم بالاعتماد على الكتيب
المشهور لسيد قطب بعنوان "معركتنا
مع اليهود" بدلاً من الاعتماد على
ما يحتويه القرآن الكريم من
إرشادات وأنوار، هذا الكتيب الذي
يعتبر أن جميع اليهود دون استثناء
هم شخصيات غامضة تُألف عصبة من
الشياطين. ولطالما كنا سجناءً
للشروح التي فسرت الآية الكريمة:
غير المغضوب عليهم ولا
الضالين(الفاتحة 7)
بأن المقصود بها هم اليهود
والنصارى دون تمييز. ونحن في
عدائنا المستفحل؛ لا نفكر في
الحقيقة التي تقول إن القرآن، وهو
كلام الله أعدل العادلين، لا يمكن
أن يحضنا على لعن جميع الأجيال
القادمة من اليهود، لا لسبب إلا
أن ثلة من الأفراد والقبائل
اليهودية كانوا قد أساءوا للرسول
(صلى الله عليه وسلم) والمسلمين
في ذلك الوقت. وفي القرآن نجد أن
الله تعالى قد لعن أيضًا بعضًا من
أفراد قبيلة قريش، وحذرهم من
العواقب الوخيمة لأفعالهم في
الدنيا والآخرة، إلا أنه لم يجول
بخاطرنا أنه يجب أن نعاقب ونلعن
نسلهم إلى يوم الدين. لذلك فنحن
لا نجد سببًا حقيقيًا للوم
الأجيال الجديدة من اليهود ولعنهم
بسبب إساءة تصرف بعض أفراد جيل
واحد منهم. وهناك موقف مشابه لذلك
الفكر في التفكير الديني
للإسرائليين فقد انتهوا، متأثرين
بتفسيرات التلمود، إلى أنه لا
يوجد شعب يمكن أن يصل إلى منزلة
الشعب اليهودي القديم وأن شعبهم
هو شعب الله المختار؛ ويزعمون أن
الأمم الأخرى دماؤها رخيصة
وثقافاتها عديمة القيمة. ونحن في
حاجة ماسة في وقتنا الحالي إلى أن
نهجر جميع الأراء التقليدية التي
اعتدنا عليها عند التفكير في حل
مشكلة فلسطين وأن ننظر إليها
بمفهوم جديد في ضوء المعاني
العميقة للقرآن الكريم، وعندئذ
سيتسنى لنا إنقاذ الأرواح التي
نفقدها كل يوم، كما ستكون الأرض
فلسطين التاريخية مكانًا يتمكن
فيه أهل الكتاب بجميع مللهم أن
يؤدوا صلاتهم كما كانوا يفعلون في
الماضي. وهنا يثار سؤال! أين تلك
الأنفس التقية والقابضة على دينها
من أهل الكتاب الذين قال عنهم
القرآن:
ليسوا سواء من اهل الكتاب امة
قائمة يتلون آيات الله وآناء
الليل وهم يسجدون( آل عمران 113)
والذين وعدهم القرآن من أهل
الكتاب أيضًا أن الله لن يضيع
أعاملهم؟
وما يفعلوه من خير فلن يكفروه
والله عليم بالمتقين
(آل عمران
115)
ومع كل ذلك، يجب أن نبحث عن هؤلاء
الذين يخشون الله تعالى من بيننا،
هؤلاء الذين يمكنهم أن يظهروا
شجاعة غير عادية في السمو عن
المصالح القومية الضيقة، من أجل
هدف أسمى، لتأكيد قوله تعالى:
قل يااهل الكتاب تعالوا الى كلمة
سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا
الله(آل عمران 64).