
هل هناك إمكانية للتنوير من جديد؟
(وما يستوى الأعمى والبصير ولا
الظلمت ولا النور ولا الظل ولا
الحرور)
إن سراب المدركات الحسية هو إحدى
لعنات العصر الحديث؛ ففي عالم
الأوهام التي يخلقها الإعلام،
حُرم الإنسان من حق المعرفة، ومن
رؤية الأشياء كما هي على حقيقتها،
الأمر الذي أودى بنا إلى أن نفقد
الإدراك الكامل للأزمات الكبيرة
التي نعيشها في عصرنا الحاضر، كما
أدى إلى التهديد البيئي لكوكب
الأرض وتحول الإنسان إلى آلة على
يدي ذلك المارد الرأسمالي المعروف
باسم "العولمة". وقد عاد الإنسان
في أصفاده مرة أخرى، ولكن الأصفاد
التي تكبله هذه المرة لا تتراءى
للعيان. وقد أدى موقفٌ مشابه حدث
من قبل إلى إرسال أنبياء الله
لهداية الناس بنور الوحي وجعلهم
يرون الأشياء كما هي، كما قال
رسول الله "اللهم أرني الأشياء
كما هي".
ولقد اصطفى الله تعالى أنبيائه
بالنور والبصيرة التي لا تضاهى،
وعُهد إلى أتباعهم برؤية شاملة
جديدة أو، فلنقل، تجربة تغيير
النموذج المعرفي. هذه الرحلة من
الظلمات إلى النور، كما بينها
القرآن الكريم، تجعل الأعمى يرى
وتملأ النفس القانطة بحماس جديد
للحياة. وهذا المجتمع الذي ظل
يرقد في سبات عميق ويتبوأ مكانة
متدنية لفترة ليست بالقصيرة قد
شهد تجدد الحياة مع قدوم أنبياء
الله. وتأتي قصة عيسى كما ذكرها
القرآن الكريم كأحد الأمثلة التي
بينت أن مجئ نبي من أنبياء الله
قد جعل أعمى البصيرة يرى بنور
الإيمان ومن مات قلبه يحيا بهذا
النور. وهؤلاء الذين يعيشون على
متن طائرة مادية، غير مدركين
للأهداف النبيلة للحياة، ويمرون
بهذا التغيير لدرجة أنهم يشعرون
أنهم أقل اتصالا بالأرض منهم
بالسماء. واستخدم القرآن الكريم
مثل الطائر الذي خُلق من الطين
وعندما نفخت فيه الروح طار إلى
السماء، وهي المصدر المجازي
للروحانية. ويخبرنا الله تعالى في
موضع آخر في القرآن أنَّ القدرة
على رؤية الأشياء كما هي لا تعتمد
على إدراكاتنا الحسية المجردة؛
قال تعالى:فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى
القلوب التي في الصدور (سورة الحج
22)
ولأننا نبعد عن عصر خاتم الأنبياء
بفترة زمنية تصل إلى حوالي أربعة
عشر قرنًا، يراودنا الآن شعورٌ
بعدم الارتياح لأن الظلام قد حلَّ
بنا مرة أخرى؛ ومع زيادة صعوبة
الرؤية من خلال التلاعب الماكر
بالصورة الإعلامية في العالم
المعاصر. وهو إدراك يستند إلى
الصورة نحمله معنا طيلة حياتنا،
حيث يعتقد معظمنا أن الرؤية هي ما
تريدنا الكاميرا أن نراه فقط،
ونذهب إلى المكان الذي تذهب إليه
الكاميرا، كما تعلمنا أيضًا أن
نعتمد على إدراكنا الحسي فقط الذي
يجعل القلوب التي في الصدور لا
تعمل. صحيح أنَّ بيننا أمة تحيا
وتعتبر نفسها هي الوريث الحق
لخاتم الأنبياء وتزعم أنها هي
التي تحمل الرسالة الخاتمة، "شفاء
لما في الصدور"، ولكنهم لا يريدون
حتى أن فتحوا كتاب الله بأنفسهم،
واكتفوا بأن ينظروا إلى القرآن
بأعين العلماء السابقين، الذين
ماتوا منذ زمن بعيد ولا يستطيعون،
بسبب عدم علمهم بمجريات الأمور في
عصرنا، أن يخبرونا بكيفية إحداث
هذا التنوير في بيئتنا. ولأنَّ
القرآن مازال محصورًا في فهم
السابقين له، فإن السلف والأمة
وكذلك باقي العالم محكوم عليهم
بالعيش في الظلمات متخذين نفس
المنهج الذي تبعه روبنسون كروزو،
تلك الشخصية التي ألفها الكاتب
الإنجليزي دانيال دوفو، ويتنظرون
قدوم مسيحٍ يخلصهم.
وربما يبدو علي المسلمين في هذا
العصر أنهم أمة مثبطة الهمة
فليسوا وحدهم الذين طال بهم الأمد
في انتظار المسيح، بل وقد كانت
أسطورة المسيح سببًا في إحداث
المزيد من الفوضى في الدوائر
اليهودية والمسيحية، بصورة أخطر
من أي مكان آخر. وربما تزهوا
المسيحية فخرًا بكونها أكبر ديانة
علي وجه البسيطة انطلاقًا من
العدد الهائل لمعتنقيها ولكن
الحقيقة هي أن المد المسيحي يعاني
حالة من التراجع منذ قرون.
وبداية من المذهب الكاثوليكي الذي
بسط نفوذه علي المجتمع في فترة من
الزمن وحتى ظهور الرأسمالية
الليبرالية، أبدت المسيحية درجة
كبيرة من التساهل جعلتها الآن
تبقي علي كاهنٍ مثلي في منصبه.
وفي غرب ما بعد المسيحية، كما
يراه الكثير منا وهم علي صواب،
فإن رحلتنا من أجل تحقيق تلك
المُثل البشرية التي طالما كانت
محببة إلي نفوسنا والتي تتمثل في
الحرية والاستقلال قد أودت بنا في
نهاية المطاف إلي الحالة التي
وجدنا أنفسنا عليها؛ واقعين تحت
رحمة الليبرالية الفاشية.
أما أولئك الذين جال بخاطرهم، ذات
مرة، بأن ظهور عالم متحرر قائم
علي أسس ديموقراطية أصبح وشيكًا
وبأن التاريخ يسير بسرعة لبلوغ
نهايته المحتومة لم يجانبهم
الصواب في هذا الرأي. فنهاية
الحرب الباردة أو وترسيم الستار
الحديدي (بين الاتحاد السوفيتي
وأوروبا الغربية) قد ألقي الضوء
علي مفارقات عديدة للرأسمالية
أكثر من تلك الاختلافات المتعلقة
بالدولة الاستبدادية، فلم يعد من
الصعب الآن رؤية الوجه القبيح
للرأسمالية ولا رؤية أسباب ثراء
الولايات المتحدة وعلي حساب من
كان ذلك الثراء.
ويقدر عدد سكان الولايات المتحدة
بنحو ثلث عدد سكان الهند ومع ذلك
فهم يستهلكون أكثر من ثلث موارد
العالم ولو أن الشعب الهندي طمح
إلي مثل ذلك المستوي المعيشي فإن
باقي سكان المعمورة سيموت جوعًا
لا محالة. ولا يدعم العقلاء في
شتى أنحاء العالم هذا الافتراض
غير الأخلاقي. إلا أن نير
الليبرالية الفاشية كان بالغ
السطوة لدرجة أنه لم يعد الإنسان
وحده هو الذي يشعر بالعجز، بل إن
الرأسمالية الإنجيلية قد وظفت
الله سبحانه وتعالى لخدمة أغراضها
حيث ظهرت عبارة "ليبارك الرب
أمريكا".
إن العالم الآن يسير بسرعة شديدة
نحو نقطة النهاية ولن يقوي أحد
علي السيطرة علي تلك المحاولات
الخرقاء للسعي وراء الليبرالية
الفاشية. تسود في الشرق بعض حالات
السخط والاعتراضات إلا أنها ليست
بتلك الفعالية التي تمكنها من وقف
أي تهديد يوجه للمذهب الرأسمالي
الذي أشاع مبدأ العولمة في جميع
أرجاء كوكب الأرض. وتسود الآن علي
نطاق عالمي حالة من العجز التام
الذي أوقع البشرية في قبضة
النازية الألمانية أو الفاشية
الإيطالية ثم في المناطق
المتمركزة حولها.
ومع ذلك فهذا ليس إلا وجهًا
واحدًا من أوجه القضية، إذ أن
إلقاء اللوم علي الآخرين لما ألم
بنا من ويلاتٍ ليس انصافًا ولن
يصل بنا إلي أية نتيجة، فلماذا
أفلت زمام التاريخ من أيدينا
تمامًا وأصبح العالم بأسره، بما
فيه نحن المسلمين، واقعًا تحت
رحمة الرأسمالية الفاشية؟ ذلكم هو
السؤال الذي يجدر بنا أن نكف عن
التهرب منه لأمد بعيد والذي يستحق
اهتمامنا العاجل والجاد.
ومن الطبيعي أن يقودنا ذلك إلى
طرح سؤال آخر هو: كيف يمكن لأمة
رفعها الله لتقود العالم وتمثلت
شرعتها الوحيدة في تقديم يد العون
لبقية الأمم وهداية البشرية جمعاء
وإرشادها أن تصبح هي نفسها طرفًا
في الصراعات الدنيوية الحقيرة؟
وخلال القرون الكثيرة الماضية،
رأى أنصار الإسلام الدين الإسلامي
من منظور المقاومة بشكل أساسي،
فبدلاً من تقديم الإسلام للعالم
على أنه رسالة سلام ورحمة وظهور
المسلمين بمظهر الإحسان والخيرية
إلى البشرية جمعاء، أخذنا على
عاتقنا مهمة الدفاع عن الإسلام،
ويُعد مثل هذا التصور للإسلام من
منظور المقاومة بمثابة انحراف
واضح عن الدور الذي اختاره الله
لنا، مما أجبرنا على الابتعاد
طواعية عن قيادة العالم.
وقد نفخر بكوننا أمة النبي الخاتم
وحملة أخر الرسالات السماوية
ولكننا على أرض الواقع لم نعد
الأمة التي تحتل مركز الصدارة،
وربما تزعم منتدياتنا الإسلامية
التقليدية بأننا ورثة المعرفة
الإلهية ولكنها ليس لديها صلة حتى
الآن بالعالم التكنولوجي الحديث,
فلم يعد العالم يعتمد علينا، بل
أصبحنا نحن الذين نعول عليه؛
فدائما ما وضعتنا أفكارنا
المغلوطة عن المعرفة، مثل النظر
إلى العلوم الإسلامية باعتبارها
المعرفة الكاملة، على حافة منزلقة.
أما الراغبون في الخروج من مثل
هذا المأزق ممن يودون أن يجعلوا
من المستحيل ممكنًا في غمرة
حماسهم الديني فإنهم ويفتقدون إلى
المنهجية المناسبة لذلك، وحيث إن
الكثير من تراثنا الديني والفقهي
يعمل على توظيف لغة المقاومة، فقد
أخبرونا عن كيفية الموت في سبيل
الإسلام ولكنهم لم يوضحوا لنا كيف
نحيا من أجله، علاوة على ذلك،
فهناك أناس يعيشون بيننا من أولئك
الذين قد لجئوا إلى المُثل
التحررية الغربية أثناء محاولاتهم
للبحث عن فجر جديد. فمن الصعب
عليهم تقدير لغة المقاومة بينما
على الجانب الأخر لم يعد بمقدورهم
اكتشاف النموذج القرآني للرحمة،
فرؤيتنا للإسلام على أنه مجرد
حركة سياسية جعل من الصعب علينا
العثور على نموذج الرحمة المفقود؛
فالإسلام كحركة سياسية صاحب
إطلاقها صخب كثير في عصرنا الحاضر،
قد ركز إلى حد بعيد على تطبيق
الشريعة أو بعث الحياة من جديد
طبقًا لوجهة نظر كبار علماء الفقه
السابقين، وقد نقل ذلك لنطاق أوسع
من العالم صوره ظهر فيها الإسلام
كما لو كان لا يملك شيء جديد
ليقدمه ويرجع ذلك إلى أن المسلمين
كانوا غير مؤهلين لفهم القرآن من
منظور مجدد، فقد أدى التطبيق
الأعمى للشريعة (الفقه) إلى بروز
رؤية فقهية طائفية عن التاريخ
الماضي. وفي غمرة حماسنا للشريعة،
لم نعبأ حتى بالتحقق مما إذا كان
كبار العلماء القدامى قد جسدوا
التعاليم الإسلامية فعلاً أم أن
صياغتهم قد تأثرت إلى حد بعيد
بمحيطهم الاجتماعي الخاص بهم،
وأراد الراغبون في إضفاء الشرعية
على حكمهم الاستبدادي في المقام
الأول إخضاع الشريعة طوع بنانهم.
والشريعة كما فهمتها ومارستها
طالبان أو كما تبناها تحالف مجلس
العمل الموحد في باكستان أو كما
قام قادة الجماعة الإسلامية مؤخرا
بمناصرتها أثناء الميثاق
الباكستاني قد أقنعتنا فقط بأن
الحركات الإسلامية لا بد أن تنبع
من الأوساط الفقهية للعصر العباسي،
ولم يستطيعوا حتى الآن أن يفهموا
الإسلام بطريقة أخرى مغايرة للغة
المقاومة أو تقديم رسالة الإسلام
للعالم الخارجي بلغة أكثر اتساعًا
من الإحسان ورحمة الله التي لا
تنضب أبدًا، فلو فهمنا الإسلام
بلغة الرحمة، فإنه سيظهر لنا
باعتباره الملاذ الآمن لجميع
النفوس البائسة والقلوب المحطمة
في بحثها عن العزاء، على العكس من
ذلك، تؤدي لغة المقاومة إلى غرس
بذور الضغائن الطائفية في داخل
بيت الإسلام. وسواء في باكستان أم
تونس أم الجزائر أم مصر أم في أي
مكان وظفت فيه الحركات الإسلامية
لغة المقاومة، أدى ذلك إلى انقسام
المجتمع المسلم على نحو خطير،
وعلى الرغم من أن الحركة
الإسلامية هي ظاهرة تنتمي للقرن
العشرين والتي نتجت عن الهجمات
الاستعمارية إلا أنها تبدو ظاهرة
وستنتهي. وينطبق نفس الشيء على
السلفيين الجدد، الذين كانوا
يومًا ما مناصرين للمنهج الإبداعي
في تناول القرآن والسنة والذين
أدى اعتمادهم على ابن تيمية ومحمد
بن عبد الوهاب، للآسف، إلى تقديس
الرموز أو عقلية منغلقة كما وصفها
القرآن:قالوا بل وجدنا آبائنا كذلك
يفعلون (الشعراء 74)
فنحن نعاني من أزمة ذات وجهين،
ففي الوقت الذي يعيش فيه العالم
في ظل التراجع المستمر للرأسمالية
الفاشية، انهمك أتباع خاتم
الأنبياء في خوض معركة الدفاع عن
بقائهم، على الرغم من وجود آخر
الرسالات السماوية التي أرسلها
الله بيننا، وعلى الرغم من
اعتمادنا المفرط على علم السابقين
من البشر، وعلى المحاولات
التفسيرية لأساطين العلم، فنحن
المسلمين نفتقد إلى رؤية مستقبلية
إبداعية نابضة بالحياة. إن مجرد
فكرة قيامنا بمحاولة فهم الوحي
بأنفسنا، في سياق حياتنا الخاصة
لم ترد حتى بمخيلة أولئك الذين
يواصلون إلقاء الخطب حول الدولة
الإسلامية النموذجية، فالخطاب
الإسلامي في عصرنا الحالي الذي -
على حد قول سيد قطب - يسلط الضوء
على "المنطق الوجداني" قد ضيق
المجال أمام أية محاولة لطرح أي
تساؤل عقلاني أو نقدي. وإذا
استخدمنا تعبير من تعبيرات "كانط"،
فقد عزز ذلك بيننا ظهور حالة من "عدم
النضج الطوعي" في محاولاتنا لفهم
الوحي، فرؤيتنا للوحي هي رؤية من
الخبرة الماضية التي كانت قد
أضاءت لنا الطريق فيما مضى منذ
أربعة عشر قرنًا. في الأغلب الأعم،
يعد ذلك مجرد جزء من هويتنا
التاريخية وليس تجربة ملموسة،
فنحن ننظر للقرآن بوصفه معين لا
ينضب لتراث عظيم من النور وليس
كأنه نورٌ في حد ذاته، نتيجة لذلك،
وعلى مدار العديد من القرون،
تعاني الأمة من حالة مستمرة من
التردي، فهي تتراجع من النور إلى
الظلمات.
ومع الظلام يوجد شعور بعدم الأمان
والشك تجاه المستقبل، وإذا ما حل
هذا الظلام فلن يكون له علاج إلا
نور الوحي، قال تعالى:مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما
أضاءت ماحوله ذهب الله بنورهم
وتركهم في ظلمت لا يبصرون (البقره
17)
إن الأمم التي حرمت من نور الوحي
محكوم عليها أن تعيش في خوف دائم
من المجهول،
او كصيب من السماء فيه ظلمت ورعد
و برق (البقره 19)فومضات البرق بدلا من أن تنير لهم
الطريق، تحجب أبصارهم عن الرؤية،
يكاد البرق يخطف أبصارهم (البقره
20)
فهو في الظاهر يمكنهم من الرؤية
لبرهة، ثم ينساقون وراءه انسياقًا
بلا معنى، فإذا ما أفل النور
عادوا إلى الجمود. وفي الحقيقة لا
يوجد ما يعكس وضعنا الحالي أفضل
من هذه الوصف القرآني.
إن خطورة الموقف تتطلب منا أن نضع
حدًا لرحلتنا العكسية من النور
إلى الظلمات، ومثل هذه المهام
العظيمة لم يقم بها في الماضي سوى
الأنبياء، وبما أنه لن يُبعث نبي
في الوقت الحاضر، وأصبحت آخر
الرسالات كأنما هي النبي الغائب،
فإن علينا نحن أتباع النبي محمد
أن نعمل على خلق تنوير جديد.
وطالما ظل كتاب الله بيننا،
وطالما امتلكنا الجرأة والشجاعة
لأن ندرسه بأنفسنا، فإنه لن
تُستبعد أمكانية ظهور التنوير
الجديد.
إن الظلام الروحي الذي حل بالعالم
اليوم ليس نوعًا من عبادة الأوثان
أو أشكال الخرافات الأخرى، ولكنه
شكل تحول فيه الإنسان إلى آلة،
ونوع من الحياة العادية التي نشأت
نتيجة لعجزنا التام عن رؤية
الاشياء كما هي، فالإعلام لم يكن
أبدًا بهذه القوة، ولم يعتمد
الإنسان من قبل على مثل هذا السيل
من الصور المرئية. فدعاء النبي
"اللهم أرني الأشياء كما هي" لم
تكن هناك حاجة ملحة له بقدر ما
نحن بحاجة إليه الآن. وتتطلب منا
رؤية الأشياء كما هي أن ننأى عن
كل المعوقات سواء كانت سيكولوجية
أم تاريخية أم دينية، وأن نبدأ
بالاعتماد على نفوسنا الناضجة،
وهذا في الواقع يحتاج إلى درجة
عالية من التنوير الناضج،
والمساعدة الإلهية التي لا تدع
مجالًا لأي شكل من أشكال الغموض
كما جاء في القرآن الكريم:مافرطنا في الكتب من شيئٍ (الانعام
38)
وعلى أية حال فإن كتاب الهدى
والنور قادر على خلق فجر جديد،
شريطة أن نهجر تمامًا تقديس
الأسلاف، وأن تملأنا الثقة
بأنفسنا آملين في نصر الله وأن
نعود إليه وإلى وحيه عز وجل، فهو
وحده نصير المؤمن، وهو الذي يخرجه
من الظلمات إلى النور كما قال
تعالى:الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من
الظلمت إلى النور (البقره 275)
وكما قال: هو الذي ينزل على عبده
آيات بينت ليخرجكم من الظلمت الى
النور وإن الله بكم لرؤف الرحيم (الحديد
57)
واليوم كذلك إذا ما تحلى أتباع
آخر الرسالات السماوية بالشجاعة
للتعامل مع الوحي بطريقتهم الخاصة،
فسوف يجدون في غمرة هذا ميلاد
تنوير جديد، وفي هذه الحالة سوف
يجدون العون الإلهي الذي وعدهم
الله به
هوالذي يصلى عليكم وملئكته
ليخرجكم من الظلمت الى النور وكان
بالمؤمنين رحيما (الأحزاب:43)
وحقيقة فإن الأمة ينتابها شعور
بأنها قد شارفت على النهاية، أو
ربما نشعر بأننا مثل نبي الله
يونس الذي وقع في ظلمة بطن الحوت،
لا يعرف كيف يجد مخرجًا من هذا
الموقف، ومع ذلك فإن هناك تنويرًا
جديدًا دائمًا ما يطرق أبوابنا
شريطة أن نمتلك الشجاعة كنبي الله
يونس في الاعتماد على الله سبحانه
وتعالى:
وذالنون اذ ذهب مغاضبا فظن أن لن
نقدر عليه فنادى من الظلمت ان لا
اله الا انت سبحانك اني كنت من
الظالمين (الانبياء 87)