
هل الدين مجرد مجموعة من الطقوس والأزياء الاحتفالية؟!
يواجه المجتمع المسلم أزمة حادة، يمكن أن ندرك حدتها من خلال ما يثيره كل إنسان،
سواء كان قائدا أو فردا عاديا من عامة الناس من تساؤل: لماذا لا نرى أي بصيص من
الضوء في نهاية النفق المظلم، رغم وجود القرآن بيننا؟ لماذا تعيش الأمة التي وكلها
الله لقيادة العالم أزمة أيديولوجية عميقة رغم وجود القرآن، وتعاليم العلماء
والمفسرين؟ بعد الصدمة النفسية التي أعقبت حوادث النازية المعروفة في معسكرات
الاعتقال في "أوشفيتس" برز هذا السؤال بين اليهود أيضا، وهو كيف لله أن يهجر "شعبه
المختار" ويتركه وحده ليدافع عن نفسه؟ وسأل العلماء والمثقفون اليهود أنفسهم أنه
إذا أُبيدت أمة اليهود من على وجه الأرض، عندئذ ماذا يعني التاريخ بالنسبة لهم،
فاليهود الذين اعتادوا لفترة طويلة أن يعيشوا في قلب التاريخ، كان عليهم أن يدركوا
حقيقة أن أمتهم قد سقطت من مقعد القيادة والهداية، والفرق الأساسي بين اليهود
والمسلمين هو أنه بينما كان إسقاط اليهود قرارًا إلهيًا، فإن سقوط المسلمين هو
انحراف تاريخي يمكن أن يُعالج بالعودة إلى الوحي الإلهي الذي جاء به خاتم الأنبياء؛
ومع ذلك، ومن سخرية القدر أنه بدلا من أن تقوم الأمة المسلمة بتقييم وضعها تقييمًا
نقديًا، وتحاول أن تضيء طريقها بعون من تعاليم الوحي الإلهي، صارت هذه الأمة سجينة
التاريخ، وقد جعل هذا من الصعب على أهلها أن يمسكوا بزمام هذا الزيف التاريخي، وأن
يدركوا مدى ما هم فيه من تدهور وتراجع.
إن العالم الآن يمر بأسوأ الأزمات في تاريخه، فهناك تغييرات لا حصر لها - وهي ليست
دائما إلى الأفضل - قد حدثت في مختلف بلدان العالم باسم التطور، لقد حاولت القوى
ضيقة الأفق بطريقة مجردة من أية مبادئ أخلاقية أن تبسط نفوذها، مما أدى بالتالي إلى
غموض مستقبل المجتمع الدولي، وتلوث البيئة، وتراكم ثروة العالم وتكدسها في يد عدد
محدود، واحتكار السلع من قبل الشركات متعددة الجنسيات، وكبت الحريات الفكرية من
خلال السيطرة على وسائل الإعلام والتلاعب بها، وإجبار الناس على ألا يسمعوا أو
يشاهدوا سوى ما تريدهم بعض القوى المهيمنة أن يسمعوا ويشاهدوا، وهذا بعض مما هو
واقع في عصرنا مما يصعب التعامل معه؛ فموقف العداء لله عز وجل الذي يتخذه "صُناع
السياسة" قد حول العالم إلى أتون ذري، وأضحت مصادر الثروة الفكرية والاقتصادية
الخاصة بالبشرية تستخدم لتدمير الحياة البشرية بدلا من الحفاظ عليها.
وفي ظل هذه الظروف كان من المتوقع من ورثة آخر الرسالات السماوية أن يتقدموا لتوجيه
البشرية المضطربة، ومع هذا فإن الحقيقة الواضحة هي أنه بالرغم من أن الله قد اخبرهم
أنهم "خير أمة أخرجت للناس"، فإنهم منصرفون في صراع من أجل الوجود، ولا شك في أن
الموقف الحالي الذي يسود العالم، يتطلب على وجه السرعة أن يقوم هؤلاء الذين يخشون
الله بواجب الإرشاد، فإذا لم تظهر الأمة المسلمة - مثلها مثل بقية الأمم - الشجاعة
الكافية لمواجهة هذا التحدي، فكيف لها أن تميز نفسها عن بقية الأمم الأخرى، بصفتها
وريث آخر الرسالات الإلهية.
وفي الفترة الأخيرة وبمناسبة انعقاد مؤتمر برلمان أديان العالم، سنحت لي الفرصة أن
أسافر إلى أسبانيا وأقيم هناك على قمة جبل "مونتسيرات" في أحد الأديرة النصرانية،
وكان يقيم في نفس الدير بعض قادة السيخ الدينيين، وراهب هندوسي من "ماني بور"، وقد
لاحظت أن الراهب الذي استيقظ مع بزوغ الفجر، قد انهمك تماما في ضبط هندامه، وزينته
بعناية فائقة وتركيز كامل، فهو يضع الصبغة البيضاء على جبهته ويمدها إلى أنفه، حتى
بدا للناظر، من خلال وجهه البشري، أنه زعيم ديني بكل تأكيد!
ومن ناحية أخرى كان الزعيم السيخي مشغولا بضبط طول ملابسه، التي أصبحت طويلة إلى حد
ما بمساعدة صديق له، وذلك حتى يتمكن من المشاركة في برلمان أديان العالم كزعيم سيخي
بحق، يرتدي عمامته الشهيرة المميزة؛ كان هناك عدد كبير جدا من الأزياء الدينية
الملونة، الرداء الأسود للرهبان البنديكتيين، وطاقية اليهود، والساري الأبيض الطويل
للبراهما كوماري، والجلباب العربي، والطربوش الذي يرتديه بعض علماء المسلمين، وقد
أضاف البعض أمام أسمائهم لقبًا تشريفيًا مثل "نيافة"، بينما أصر البعض الآخر على أن
يسبق اسمه كلمة "المبجل" أو "الأب"، وإذا كان البعض يصف نفسه بالحاخام فقد وصف
البعض الآخر نفسه بلقب "مولانا"، كما أن البعض رأى أنه من المناسب أن يكتب أمام
اسمه بعناية فائقة كلمة "الإمام".
في مثل هذا الاجتماع الذي ضم رجال دين مبجلين، كان مثل هذا الإصرار على التفنن في
ضبط الثياب وعرضها بهذه الطريقة يترك المرء في حيرة من أمره إن لم يُصب بخيبة أمل،
وقد سألت الراهب الهندوسي الذي يجلس بجواري عن سبب هذا الإصرار من جانب رجال الدين
في التفنن في ارتداء مثل هذه الأزياء الخاصة، كلٌ حسب جماعته أو طائفته، ونحن هنا
في برلمان أديان العالم، لأن هذا يؤكد على الإحساس بالاختلاف بين الأديان؛ وبعد
كثير من النقاش والجدل في هذا الأمر، خرج عليّ الراهب بالجواب الصريح قائلا: "إن
الناس ينظرون إلينا بوصفنا هداة لهم وقادة لهم، وهم يريدون رؤيتنا في الصورة
النموذجية التي يكون عليها الزعيم والمرشد، وهي صورة تختلف بالطبع عما تكون عليه
صورة رجل الشارع العادي. من الواضح أن كل هذا الاهتمام بالزي، هو نتيجة لما يتصوره
عامة الناس عنا، وإلا فما علاقة الزي بالتقوى والورع؟"
لا شك أن الراهب الهندوسي لا يمكن أو يلام وحده على هذا الأمر مع استمرار هذه
الطقوس الخاصة بالأزياء، فجميع الزعماء الدينيين وأئمة الطوائف الدينية قد عانوا
كثيرا أثناء ارتداء الأزياء الخاصة بهم، والتي تميزهم عن عموم الناس، وتظهرهم كرجال
دين أو ربانيين من أول نظرة ودون أدنى شك، أما عموم الناس فقد يصعب عليهم أن يقرروا
ما إذا كان من يرتدي هذا الزي رجلا من لحم ودم مثلهم، يتنفس مثلهم من تحت هذه
الملابس الثقيلة المهندمة، وما إذا كانت وجهات نظره وأفكاره يمكن أن تخضع للنقد
والتدقيق!!
يُقال إنه حين قدم الضابط الروماني لاعتقال المسيح عيسى عليه السلام، كان من الصعب
عليهم التعرف على المسيح لأنه كان يجلس بين أتباعه، وقد اعتمد على إشارة يهوذا
الخائن عند قبلة التبجيل، وقد كان عيسى قبل كل شيء نبيا وجيها مميزا؛ وحتى خلفاء
النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يرغبوا في أن يتخذوا أي وسيلة غير طبيعية تميزهم أو
تجعلهم يختلفون عن الناس العاديين، وكثيرا ما كان زائرو المدينة المنورة يعبرون عن
دهشتهم من مظهر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو يتعامل معهم مرتديا ملابس
عادية لا تميزه عن غيره، ودون أي مظهر من مظاهر القوة، ودون حاشية أو بطانة تحيط به،
وكان الرعيل الأول من المسلمين يقدرون حرية الفكر أيما تقدير، فكانوا يعرفون جيدا
أن الكل سواسية أمام الله عز وجل، ومسئولية القيادة أو تقديم الإرشاد للآخرين لا
تصل بالقادة إلى منزلة مقدسة، أو مكانة تعلو فوق مكانة البشر العاديين، والمسلمون
أنفسهم يعتبرون أنه من حقهم نقد أفعال قادتهم وأقوالهم، وتدقيق أقول علمائهم، لدرجة
أن امرأة بدوية من عموم الناس تجرأت على أن تختلف في الرأي مع أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أثناء خطبة الجمعة، وبالمثل فإن القادة والعلماء اعتبروا
أنفسهم أناسا عاديين من لحم ودم، مثلهم مثل أي فرد في المجتمع، وأنهم ليسوا أبدا من
جنس يفوق البشر، كما أنهم لم يلقبوا أنفسهم بأي لقب، ولم يرغب عامة المسلمين أيضا
في أن يروا أناسًا مثلهم، يحيطون أنفسهم بهالة من التبجيل والتقديس، ولأن المسلمون
كانوا يقدرون حرية الفكر، فإنهم سعوا إلى الهداية من خلال ما ورد في كتاب الله،
وليس من خلال أقوال قادتهم أو علمائهم، وحين أشاع العلماء والأدباء العرف الذي
انتشر فيما بعد، والذي يقضي بتقديم أنفسهم على أنهم قديسون، متميزون عن البشر
العاديين، بدأت الألقاب الدينية الفخمة والرنانة توضع قبل الأسماء وبعدها، ودخل
الفكر الإسلامي مرحلة الركود، واللجوء إلى التقليد الأعمى.
إذا لم نستطع اليوم – رغم وجود القرآن الكريم بيننا – رؤية أي بصيص من ضوء الأمل في
نهاية النفق المظلم، فإن هذا مرده إلى الحقيقة المتمثلة في أننا نعطي العلماء
والفقهاء تقديرًا وتعظيمًا أكبر مما نعطيه للقرآن الكريم الذي أنزله الله على خاتم
الأنبياء، وبدلا من أن نقترب مباشرة من القرآن الكريم، ونضيء عقولنا بما فيه،
اعتبرنا أنه من الضروري أن نتحقق مما إذا كان اتجاهنا موثق ومدعوم بأقوال العلماء
المسلمين الأوائل، أما أولئك الذين كان يجب عليهم أن يدرسوا القرآن الكريم، فقد
حولوا أنفسهم؛ عن طريق شعائر وطقوس مختلفة، وعن طريق اكتساب الألقاب الفخمة، إلى
مرجعية دينية، فكانت النتيجة المنطقية هي ظهور طبقة كهنوتية بين المسلمين.
ماذا عساه يكون السبب في هذا التشابه المثير بين قادة اليهود الدينيين وأولئك الذين
ينتمون إلى أمتنا؟! فقادة اليهود الدينيون يسمون أنفسهم بالحاخامات، للدلالة ضمنا
على أنهم يشاركون الله في صفاته، بينما اتخذ القساوسة النصارى لأنفسهم كلمة "الأب"
التي لا تناسب إلا الله عز وجل، وبنفس الطريقة اتخذ القادة المسلمين لأنفسهم لقب "مولانا"
وهي والكلمة التي استخدمت في القرآن الكريم للإشارة لله عز وجل.
حين تعتاد الأمم رؤية قادتها الدينيين يحيطون أنفسهم بهالة من القدسية، وحين يؤمن
عموم الناس بأن بينهم شخصيات تمتلك أفكارًا مقدسة وطاهرة، لا تخضع للنقد أو التصحيح،
عندئذ يُكبت صوت الحرية، وفي اللحظات الحرجة تفشل مثل هذه الأمم في أن تجد حلولاً
جديدة لمشكلاتها، وتفشل في أن تضيء طريقها بنور الوحي الإلهي، ومن هنا فإن نتيجة كل
ما يتخذ من إجراءات باسم الدين، تكون نتيجة عكسية، فالعتاب الشديد الذي يوجهه عيسى
في الإنجيل للفريسيين، وهم من موالي اليهود في زمان المسيح، يؤكد وجهة النظر هذه.
إن توكيد القرآن الكريم، في سياق الحديث عن انتشار الدعوة الإسلامية بين الناس، على
أنه يقدم لهم النجاة من استبداد الكهنوت وطغيانه، كان يمثل التأكيد على فكرة أن
الله تعالى لم يعط حق تفسير الدين إلى طبقة بعينها، وأن دعوة النبي إلى التغيير لم
تكن تتحمل أي نوع من التدخل من جانب الحاخامات أو الباباوات أو الموالي.
كيف يمكن للمؤمنين، مع خشيتهم من الله عز وجل وحبهم له، أن يلقبوا أنفسهم بالألقاب
التي خص الله بها نفسه، فادعاء المرجعية الدينية الزائفة، يؤدي بالتالي إلى إخماد
نور حرية الفكر والتعبير؟!