
إعادة بناء الأمة الإسلامية: ميراث إبراهيم
الإسلام ليس هوية يمكن أن تقصرها جماعة ما على نفسها دون غيرها؛ لكنه يعني الخضوع
طوعًا وبشكل غير مشروط لله جل وعلى؛ فهو باب مفتوح لكل من يجدون سلوى وعزاءًا في
وحدانية الله. هذا النداء للخضوع طوعًا لإرادة الله؛ الذي عبر عنه جميع الأنبياء
الحق وأتباعهم المخلصين عبر العصور، يجب أن يتبناه مسلموا عصرنا؛ ولكن هذا لا يعني
عدم إعطاء المسلمين الخاضعين في الرسالات السابقة الأخرى دورًا في حياتنا المعاصرة.
فإن وجود حركة للدعوة لثورة عالمية؛ لجعل العالم أسرة واحدةً تعبد إلهًا واحدًًا؛
لا يمكن أن توصد الباب أمام المسلمين الذين نجدهم في الرسالات الأخرى.
وأي قراءة موضوعية للقرآن الكريم لا يمكنها إغفال الموضوع المهيمن الذي دعا إليه
جميع الأنبياء من إبراهيم إلى محمد أو من قبلهم؛ ألا وهو الدعوة إلى عبادة الله
الواحد؛ واعتناق نموذج الحياة الذي يتبعه المسلمون الذين أسلموا وجوههم لله؛ أي
المسلمين الحنفاء. ولهذا؛ فليس من قبيل العجب أن يجعل القرآن الإيمان برسل الله
جميعًا شرطًا مسبقًا لاكتمال الإيمان؛ فالمؤمنون مطالبون بأن ينظروا إلى الأنبياء
على أنهم حاملين لنفس الرسالة الإلهية، وليس على أنهم مؤسسين لأمم معينة:
لا نفرق بين احد منهم (البقرة: 136)
والأنبياء في الوحي الإلهي يشكلون مجموعة واحدة لا يمكن فصلها وكوكبة من القادة
الذين أوحى إليهم الله وأرسلهم لهدية البشرية؛ فلا يمكن أن نفهمهم ورسالاتهم بمعزل
عن بعضهم البعض. و القرآن الكريم يجعل ذلك جزءًا لا يتجزء من عقيدة المسلم فعليه أن
يؤمن بجميع الأنبياء السابقين ورسالاتهم؛ ولقد أخبرنا أن ما تبقى من الأمم السابقة
هم حلفاؤنا بالفطرة. ولما كان محمد "صلي الله عليه وسلم" لم يأت برسالة جديدة ولكنه
جاء ليحي دين إيراهيم "عليه السلام"؛ فقد حث القرآن الكريم المؤمنين على أن ينظروا
إلى رسالة محمد "صلى الله عليه وسلم" على أنها نقطة التقاء لجميع الرسالات السابقة.
إن محمدًا "صلى الله عليه وسلم" لم يؤسس أمةً جديدةً؛ ولكنه بدلاً من ذلك، وبعيدًا
عن الهوية أو الاسم الجديد، فإن حديثي العهد بالإسلام كان عليهم أن ينأوا عن أي
هوية دينية زائفة –سواءً أكانت يهودية أو مسيحية – عليهم فقط أن يكونوا مسلمين كما
كان المسلمون في عهد رسول الله "صلي الله عليه وسلم". إن جميع أولئك الذين يزعمون
أنهم الورثة الشرعيون لميراث إبراهيم من بين اليهود والنصارى أو أولئك المتشبثين في
استمالة الناس إلى جانبهم واعتناق ديانتهم، قد أخبروا بصراحة وجلاء أنه لا خير في
هذه الشعارات الزائفة؛ فإبراهيم لم يكن يهوديًا أو مسيحيًا، بل كان حنيفًا مسلمًا
وما كان من المشركين؛ ولذلك فإن جميع من يريد لإله واحد يجب أن يتبع نهجه (أل عمران:
135). فلو أن محمد "صلى الله عليه وسلم" واتباعه جاءوا بهوية جديدة تخالف اليهود
والنصارى، لأضعفت هذه الحركة من مكانته كنبي للعالمين، وكرد فعل معارض لأولئك الذين
يدعون إلى اعتناق اليهودية أو النصرانية؛
كونوا هوداُ أو نصارى (البقرة: 135)
فإن على حديثي العهد بالإسلام أن يلتزموا بديانة إبراهيم:
قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من
المشركين (الانعام 161)
وعلى عكس ما يدعوا إليه اليهود والنصاري الذين يضفون كثيرًا من الأهمية على طوائفهم
الدينية؛ على حديثي العهد بالإسلام أن يعبدوا الله في حياتهم دون اتباع طوائف معينة.
والقرآن عندما يحث الناس على أن يكونوا ربانين
كونوا ربانيين(آل عمران: 79)
أي أن يكونوا أمةً تسلم أمرها كله لله أو أن تأخذ صبغة الله؛ هدفه أن يقنع الناس
بنفس النقطة وهي عبادة الله الواحد، فلم يأت نبي على مر التاريخ لإرساء قواعد ملة
خاصة به أو دعا الناس إلى عبادته نفسه. والقرآن الكريم يخبرنا، مرةً بعد مرة، أن
جميع الأنبياء بالرغم من اختلاف أمكانهم وأزمنتهم يدعون إلى نفس الرسالة (آل عمران:
68). ولأن محمد "صلى الله عليه وسلم" يطرح جوهر الرسالة الإبراهيمية؛ فأين يجد
المرءًا قدوةً أخرى يتبعها؟ (آل عمران: 68).
ولهذا فإن محمدًا "صلى الله عليه وسلم" عندما يذكر في القرآن؛ يذكر على أنه ليس
رائدًا لديانةً جديدة؛ ولكنه رسول للعالمين؛ بشيرًا أو نذيرًا ورحمةً للعالمين. وفي
الفترة المتقدمة من الإسلام لم يكد المرء يسمع حتى بمصطلح "الأمة المحمدية" ونفس
الحال في فترات الضعف في الرسالات السابقة حيث لم تكن الهوية الدينية مثل اليهودية
والنصرانية أو البوذية معروفةً. وهذه الهوية المبنية على أساس الشخصية قد استغرقت
قرونًا وآجالاً لكي تتطور إلى ما هي عليه الآن، ولقد كرس كل الأنبياء جهودهم كافةً
لكي يجعلوا الناس تعبد إلهًا واحدًا؛ لكي يقيموا مجتمعًا عادلاً يعبد الله وحده لا
شريك له في ملكه، ويعملوا على جمع الناس تحت عباءة التوحيد على اعتبار أنهم عباد
لإله واحد. والنبي ليس حكيمًا عاديًا؛ لأن الله أعطاه الكتاب والحكمة، وليس من
المتوقع منه أن ينهمك في صياغة مبادئ العبادة أو أن يدعو الناس إلى عبادته، لأن
الله اختاره لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده وأن لا يقدموا أنفسهم إلا على أنهم
عباد الله
كونوا ربانيين(آل عمران: 79)
و كما أٌخبرنا فإنه على المجتمعات حديثة العهد بالإسلام، مثلهم مثل كل المسلمين في
جميع الأزمنة، أن يؤمنوا بجميع الأنبياء كشرط أساسي لصحة إيمانهم؛ بل ويجب عليهم أن
لا يفرقوا بين أحد من رسل الله. (آل عمران: 84)
إن إعادة إحياء مفهوم الأمة العالمية التي تعبد إلهًا واحدًا ليست رؤية عادية؛ لأن
النداء الجماعي في قوله تعالى "كونوا ربانيين" أو الدعوة العامة لعبادة الله قد
خلقت قدرًا هائلاً من القوة والنشوة. ومادام المؤمنون لا يزالون مدركين لهويتهم
الربانية فهم لا يرون أنفسهم إلا على أنهم نقطة التقاء للرسالات الكبرى السابقة؛
فهم باب مفتوح تلوذ به جميع الأنفس الباحثة عن العزاء والسلوى؛ وهذا التأكيد غير
العادي على هوية المسلمين الذين يعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئًا يعطي حديثي
العهد بالإسلام جانبًا أيدولوجيا سرعان ما يبث فيهم قوة لا تقدر. وبالرغم من أن
نظرة العرب كانت لها جذور متأصلة في التقاليد العربية؛ إلا أن تغير هذه النظرة كان
لها تأثيرًا كبير عليهم حتى أنهم يظهرون على أنهم مجموعة من البشر توحدهم عبادة إله
واحد حيثما ذهبوا وبذلك أصبحت جميع الهويات الجغرافية واللغوية والثقافية والعرقية
غير ذات معنى بالنسبة لهم. وبانقضاء حقبة المسلمين الأوائل، ظهر لنا جليًا
وبالتدريج كما لو أن الثقافة العربية هي الصبغة الطبيعية للإسلام؛ بل إن البعض
اعتبر أن عظمة الإمبراطورية العباسية هي الوجهة المنطقية للحركة الربانية. وانحياز
العرب أو العصبية قد أصبحت حجر الأساس للمسلمين الذين جاؤوا فيما بعد، يحاكونه
ويقلدونه؛ بل أن خروج الموالي عن الكيان الأخوي الجامع للمسلمين وتحولهم إلى
الوصاية الاجتماعية قد جعلنا نعتقد أنه يجب على غير العرب من الآن فصاعدًا أن
يقصروا أنفسهم على حدود الحركة الإسلامية وليس في جوهرها. إن الإمبراطورية التي تم
تأسيسها على العصبية العربية التي تزعم تفوق بعض العشائر العربية قد ترك حيزًا
ضيقًا لباقي الرسالات الأخرى لتنضم إلى الإسلام. إن فكرة عبادة الله وحده التي تظلل
الجميع قد تحولت الآن إلى فكرة المجتمع الذي يتركز حول شخصية النبي فقط. وكانت هذه
حالةً صريحةً في منح ولاء لمن لا يستحقه أو ما أطلق عليه القراءن الكريم كلمة "غلو".
إن فكرة الأمة الجديدة التي تدور حول فكرة النبي العربي؛ قد قللت من عدد الداخلين
في زمرة الإسلام إلى درجة اعتبار ذلك كما لو كانت حالة مجتمع عادي آخر؛ وأصبح
المسلمون مثلهم مثل اليهود والمسيحيين؛ لا يزيدون عن كونهم جزءًا آخر من شريعة
إبراهيم. إن إنغلاق العقل المسلم بهذه لطريقة لم يحول المسلمين فحسب عن الإسلام
الصحيح ولكن غير أيضًا العالم بأكمله من حولهم.
إن الأمة الإسلامية تسير الآن في عصر تدهور مستمر وعلماؤها في حالة من النفي العقلي؛
ومع ذلك فإن العصر الذهبي لبغداد العباسية أو حضارة الأندلس المسلمة المزدهرة ومغال
الهند العظيمة أو الشجاعة العسكرية للإمبراطورية العثمانية قد خلق بعض الوهم
والخداع عن حالتنا المتدهورة؛ وهكذا هزمت الأمة الإسلامية – الأمة المحمدية -
الإسلام؛ فإن ظهور فكرة الإسلام الطائفي أو الأمة المحمدية قد مهد السبيل - في
الحقيقة – إلى موت الأمة المبنية على الإيدولوجية؛ ذلك لأن صبغة الله لم تعد هي
الهوية الوحيدة للمسلمين. ولأن المسلمين أجبروا أنفسهم على العيش في سجن نفسي من
صنع أنفسهم، فإنهم جعلوا فكرة الأمة هي الفكرة الأساسية لمحور تفكيرهم واهتمامهم؛
وليست دافعًا للعبادة. إن مفهوم طائفية العبادة قد تشعب أيضًا إلى عقائد فرعية وقد
وجد حديثوا العهد بالإسلام هويات جديدة يمكنهم أن يتشبثوا بها. إن العداء الداخلي
بين الشيعة والسنة وبين الحنفية والشافعية؛ لم يؤد فقط إلى سقوط الإمبراطورية
المحمدية؛ ولكنه قد أضفى كثيرًا من اللغط الأيدولوجي؛ الأمر الذي جعل من المستحيل
أن نحدد من هو الممثل الحقيقي للإسلام، هذا الأمر، الذي انحرف بالبيت الإسلامي، كان
شعورًا عامًا. أما أولئك الذين جاءوا لإصلاح الموقف فقد ركزوا بشكل رئيسي على إعادة
توجيه الأمة المحمدية نفسها. وما كان يرى على أنه سبب اعتلال الأمة الاسلامية؛ أصبح
يرى الآن على أنه السبيل إلى علاجها.
لقد استخدم القرأن الكريم مصطلح "الأمة المسلمة" بدلا من اطلاق لفظ الأمة المحمدية
التي تنبع نتيجة للتشبث ببعض الافكار العقائدية وذلك كما يتضح من دعوة ابراهيم
الخالدة لربه في القرأن الكريم حينما قال:
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا انك انت
التواب الرحيم (سورة البقرة 128)
وهذا ما وصى به إبراهيم بنيه وكذلك يعقوب عليهما السلام:
ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يبني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وانتم
مسلمون (سورة البقرة 132)
فالمفهوم القرآني للأمة المسلمة يشمل المسلمين كافة بغض النظر عن الاختلافات
الجغرافية أوالخلفيات التاريخية أو الحضارية، وهذا المفهوم هو الكوكب الوضاء الذي
ينير الطريق لجميع الأنبياء و أتباعهم المخلصين، وبالطبع يضم المفهوم الاشمل للأمة
المسلمة اهل الكهف و نماذج يحتذى بها للمرأة المسلمة مثل السيدة مريم أم السيد
المسيح و زوجة فرعون و سائر الأمم المؤمنة التي ذكرها القرآن او لم يذكر. على الرغم
مما ذكره القرآن جليا، فمازال هناك من يصرون على ترديد مقولة أن إبراهيم كان يهودياً
أو نصرانياً ؛ و القرآن يتحدى مثل هذه الأفكار المغلوطة صراحة في قول الله تعالى:
قل ءانتم اعلم أم الله(البقرة: 140)
فالادعاء بأن إبراهيم يهودياً أو القول بأن محمد هو مؤسس الأمة المحمدية يعتبر
بهتاناً وإثماً عظيماً. يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله (البقرة 140)
هل يمتلك البعض ممن يصرون على ان الأمة المحمدية الحالية لا تضم إلا مجموع أتباع
الأمة الاسلامية التي تعيش تحت لواء الاسلام - الشجاعة الكافية لاستثناء إبراهيم
وذريته وأسيا زوجة فرعون و مريم من حظيرة الاسلام ؟ فالنجاة تكون حق قاصر على
المسلمين فقط، حيث انه لا ينبغي على من اسلم وجهه لله عز وجل و يتبع الصراط
المستقيم ان يساوره القلق بشأن النجاة ؛ فهو حق ممنوح لجميع افراد الأمة المسلمة
التي تؤمن بإله واحد بإعتبارها المفهوم الاشمل للامة الاسلامية . وعلى العكس، يتم
حرمان من يرغب عن اتباع ملة ابراهيم حنيفا من ذلك الحق على الرغم من انتماءه الى
بيئة مسلمة او نشأته في كنف أسرة المسلمين حيث يقول الله عز وجل:
لقد كفر الذين قالوا إن الله هوالمسيح ابن مريم (المائدة 17)
كما يقول الله تعالى ايضا:
لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة (المائدة 73)
تعتبر مثل هذه الآيات الكريمة وما شابهها بمثابة دلالة واضحة على ان مجرد الانتماء
الى زمرة المسلمين او حتى وجود علاقة دم معهم لا يشكل قاعدة كافية للنجاة. ولذلك
كان اليهود والنصارى يدعون أنهم ابناء الله المقربين وعباده المختارين الذين طردوا
ظلما من رحمته:
وقالت اليهود والنصارى نحن ابناء الله واحباءه(المائدة 18)
و إذا تأملنا سورة الأنبياء نجد التأكيد على أن اللفظ القرآني "الأمة المسلمة" يضم
بصورة اشمل بيت المسلمين:
ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون(الانبياء 92)
إنها سلسلة طويلة من الأنبياء والرسل منذ سيدنا إبراهيم الى سيدنا لوط مرورا بسيدنا
سليمان و يعقوب و اسماعيل و إدريس و ذو الكفل و ذو النون و ذكريا ويحيى و السيدة
مريم. في حقيقة الأمر، إن كل هؤلاء ينتمون الى جماعة واحدة على الرغم من محاولة
الأجيال اللاحقة تقسيمهم الى فئات مختلفة:
وتقطعوا امرهم بينهم(الأنبياء 93)
وهناك العديد من الآيات القرآنية التي تؤكد على ان جميع من يخضع لعبادة الله امة
واحدة وذلك بالطبع يناقض كلام معتنقي الفكر الطائفي او ممن يحتمون وراء ستار
العبادة الطائقية. والقرآن يقر بأن هؤلاء الأشخاص ينتمون الى امة واحدة:
كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتب بالحق
ليحكم بين الناس فيمااختلفوا فيه
ويمكن تفسير ذلك بشكل افضل من خلال الآية الكريمة:
ان ابراهيم كان امة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (النحل 120)
وإبراهيم نفسه يعتبر نبراسًا لجميع المسلمين في كل العصور والازمان. و من المستحيل
الطعن في اسلام ابراهيم لله حيث انه لم يقم بنسج عقيدة من وحي خياله ولم يقم بتشكيل
العقائد المسيحية او اليهودية؛ فأتباع ملة ابراهيم هم بلا شك جزء لا يتجزأ من الأمة
المسلمة بمفهومها الاشمل.
وقد ظلت هذه الرؤية االشاملة للامة المسلمة قائمة حتى في عصور ضعف الحكم الإسلامي،
وقد ظل هذا المفهوم الاشمل ثابتاً حتى في اثناء فترات الحروب الضارية و النضال
الشرس عندما كان على المسلمين مجابهة احزاب اليهود والنصارى. وقد حذرنا القرآن مرات
عديدة من الوقوع في شرك التعميم فهناك الكثير من اهل الكتاب الذين مازالوا متمسكين
بالحقيقة.
ومن قوم موسى امة يهدون بالحق (الأعراف 159)
حيث نجد من بين اهل الكتاب أناس يتسمون بالبر والتقوى لله ؛ هؤلاء الذين يقومون
ليلهم لتلاوة كلام الله كما انهم يسجدون لله في خشوع كما قال الله في سورة ال
عمران:
ليسوا سواء من اهل الكتب امة قائمة يتلون آيات الله وآناء الليل وهم يسجدون (ال
عمران 113)
واذا كانت هوية الجماعة لا تعتبر سببا للنجاة فهي ليست ايضا مبررا للادانة. فهناك
أناس يعيشون بينكم ممن يخافون الله فهؤلاء يحق عليهم قول الله في كتابه الكريم:
إن اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير(الحجرات 13)
في ذلك اليوم- اليوم الاخر- سوف تتحمل كل نفس مسئولية اعمالها فقط:
كل نفس بما كسبت رهينة(الحجرات 38)
ومثل هذه الآيات تكون بمثابة إشارات كافية الى حقيقة أن المسلمين لله يمثلون امة
واحدة وهم الذين ينعم الله عليهم من فضله:
ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخروعمل
صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون( البقرة 62)
وتوسع هذه الآية الكريمة دائرة الناجين من النار لتشمل أتباع الأنبياء الآخرين
وأصحاب الرسالات السماوية الاخرى لذلك تعتبر هذه الاية لغزًا طالما حير الكثير من
علماء المسلمين والفقهاء وكانت سببا لنشوب العديد من الخلافات التي لا يمكن حلها؛
وفي الوقت الذي يؤمن فيه أبو حامد الغزالي وراشد راز والطبطبائي بفكرة ان رحمة الله
تتسع لتشمل المسلمين من اصحاب الرسالات السماوية الاخرى، فإن أغلبية علماء المسلمين
يرفضون هذه الفكرة ويعتبرونها دليلاً على الكفر حيث يتساؤلون في سخرية عن موقع
سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)!
وكلما زاد عدد المسلمين الذين ينظرون لسيدنا محمد على أنه مؤسس امة جديدة، زادت
الصعوبة بالنسبة لهم في رؤيته نقطة التقاء لاتباع ملة إبراهيم. وهم بذلك يتجاهلون
حقيقة أن الإسلام، وهو دين الله المختار الذي قام كافة الأنبياء المخلصين بنشره عبر
التاريخ يركز في الأساس على عبادة الله جل وعلى، ونجد أن القديس أوغسطس هو صاحب
الفكرة اللاهوتية بأنه لا خلاص بدون "يسوع". ففي واقع الامر نجد أن هؤلاء الذين
يضعون سيدنا محمد في مكانة مشابهة أو ممن يبالغون في التواكل على شفاعته يعدون
مذنبون لأنهم بذلك قد اتبعوا اتجاه أوغسطس.
وعلى النقيض من فكرة مسيحية أوغسطس التي تؤمن بإن الخلاص هو حق قاصر فقط على
المسيحين نجد ان القرآن يحذرالانسان من اصدار مثل هذه الافتراءات في هذا الموضوع
بالغ الدقة، بل يجب علينا ان نبقى صامتين ليس فقط بخصوص أهل الكتاب الذين نعتبرهم
حلفاءنا الطبيعين ولكن أيضا بالنسبة لهؤلاء المذنبين بتهمة الكفر؛ فهذا يعتبر حق من
حقوق الله تعالى حيث انه يقول في كتابه العزيز:
ان الله يفصل بينهم يوم القيمة(الحج 17)
وكما خلق الله الناس ينتمون الى شعوبا وقبائل متعددة ليتعارفوا فيما بينهم كما يقول
في كتابه العزيز:
يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر و انثى وجعلنكم شعوبا وقبائل لتعارفوا (الحجرات 13)
نجد ان حكمة الله تقتضي ان ينتمي عباده الى خلفيات وهويات مختلفة:
ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات الى الله
مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون(المائدة 48)
اذا وجد المسلمون لله الواحد انفسهم يسلكون مسالك شتى في سبيل طاعة الله لا يجب ان
يساورهم القلق بشأن ذلك؛ والقرآن يشهد على حقيقة أن التوراة والانجيل ما هي الا كتب
سماوية أتت من نفس المصدر قد يجد فيها المرء هداية ورشاد. والذين يدعون انفسهم من
ورثة الأنبياء لا يجب ان ينغمسوا في خلافتهم لدرجة تجعلهم يقررون من هم أهل النار
ومن الفائزين بالنجاة منها. عوضا عن ذلك، يجب ان نقوم بمجاهدة أنفسنا لنستبق
الخيرات؛ حيث إن الله تعالى هو وحده هدف جميع البشر حيث إنه هو وحده القادر على أن
يدلنا على حقيقة الأمور التي تكون محل خلاف بيننا.
لم يتعرض المسلمون الاوائل لمناقشة مثل هذه القضايا على الرغم من إدراكهم الكامل
للمكانة المتفردة التي يتبؤها محمد صلى الله عليه وسلام في التاريخ ، ولكنهم على
العكس اتخذوا من اتباع الرسالات السماوية السابقة أنصارا طبيعيين لهم ومن الممكن أن
يجمعهم منهج حياة مشترك
قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به
شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون
(آل عمران 64)
وبإعتبارهم يلعبون دوراً قيادياً دائمًا، فقد ضرب المسلمون الأوائل أروع الامثلة في
التسامح لتقبلهم دخول الكثيرين من اتباع الرسالات السماوية السابقة إلى حظيرة
الإسلام. فالحركة الاسلامية الحديثة كانت تفتح الباب على مصرعيه لدخول كل من يريد
التسابق في فعل الخيرات، وعلى الرغم من ذلك، كان يتم دائما تذكير المتعصبين بالفكر
الطائفي أو هؤلاء الذين يظهرون اهتمامًا مفرطًا لهويتهم اليهودية أو المسيحية، بأنه
لن يجازيهم الله خيرًا عن أفعالهم إلا إذا التزموا بتعاليم التوراة الصحيحة:
قل يا اهل لستم على شيئ حتى تقيموا التورة و الانجيل وما انزل اليكم من ربكم
وليزيدن كثيرا منهم ما انزل اليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم
الكفرين(المائدة 68)
وبالرغم من ادعائهم بأنهم ممثلين للعقائد اليهودية و المسيحية، إلا أنهم قد أضفوا
على أنفسهم بعض صفات الألوهية وانغمسوا في تطبيق فكرة طائفية العبادة. ومثل هؤلاء
الأشخاص من أصحاب العقول المنغلقة لا يمكن أن نتوقع منهم أي خير، ومن الأفضل ألا
نتخذهم أولياء من دون الله كما قال الله في كتابه العزيز:
يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء (سورة المائدة، آية رقم 51)
ولا ينبغي علينا التعميم في تطبيق مثل هذه الأحكام. فالله تعالى يذكرنا في القرآن
الكريم:
ليسوا سواء من اهل الكتاب امة قائمة يتلون أيات الله وأناء الليل وهم يسجدون(أل
عمران 113)
وبما أن المسلمين الأوائل قد اعتبروا أهل الكتاب هو أنصارهم الطبيعيين فلم يجدوا
حرجا في مخالطتهم والتعامل معهم في إطار المجتمع وقد جعل القرآن طعامهم حلالاً
للمسلمين
اليوم احل لكم الطيبت وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم والمحصنت من
المؤمنت والمحصنت من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم (المائدة 5)
ففي ظل مجتمع موحد بالله وقائم على أساس التقوى والمكانة السامية للدعوة لأن نكون
ربانيين، ما كان يستطيع أحد أن يتصور أنه سيأتي اليوم الذي يصيب المسلمين انفسهم ما
أصاب أصحاب الرسالات السابقة لدرجة تجعل من الصعب اعتبار أنفسهم حاملي الرسالة
الربانية، بل الأكثر من ذلك أنهم اتخذوا من كينونتهم المسلمة مجرد هوية ثقافية أكثر
من كونها خضوع مطلق خالص لوجه الله تعالى. وللأسف ، فقد أسهمت بعض العوامل
التاريخية والثورات السياسية في تفاقم هذه الكارثة التي حلت بالمسلمين؛ وبالتدريج،
بدأت الهوية القومية الإسلامية في احتلال الصدارة بدلاً من الهوية الربانية،
وبالتالي أدى ذلك الى انغلاق العقل المسلم، وبعد ذلك وجد المسلمون أنفسهم محاطين
بخضم من النصوص التاريخية المشكوك في صحتها والأحاديث غير الصحيحة التي عليهم
الاعتماد عليها في تشكيل الهوية المسلمة الجديدة للقرون التالية. وقد أدى تحول
الأمة التي من المفترض انها تحمل رسالة التنوير للعالم كافة حتى قيام الساعة -من
أمة مسلمة إلى أمة محمدية- الى انبثاق مجموعة مستحدثة من الآراء الطائفية حول مفهوم
الأمة ورسولها، وقد سار المسلمون الحاليون على نفس نهج اصحاب الرسالات السماوية
السابقة حينما بالغوا في التواكل على كونهم خير أمة أخرجت للناس، كما بالغوا في
الاعتماد على فكرة أن نبيهم أعلى الأنبياء مقامًا. وبإعتبارهم حاملي القرآن الكريم،
فقد رفض المسلمون من قبل تقبل الادعاء غير المنطقي الذي ادعاه اليهود بأنهم لن
تمسهم النار سوى أيامًا معدودات وأن الجنة سوف تكون مثواهم الخالد بغض النظر عما
اقترفوه من ذنوب، ولكن في واقع الأمر فقد قام المسلمون الان بتكرار نفس الأقاويل
حول أنفسهم.
ولقد تواترت الروايات التي شكلت العقلية الإسلامية حول الامتياز الذي خص به الله عز
وجل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء في الشفاعة لامته للنجاة يوم
القيامة. في ذلك اليوم الموعود الذي لن يستطيع أي نبي من الأنبياء السابقين بما
فيهم إبراهيم وموسى وعيسى والأنبياء الأخرين طلب الشفاعة ولو لفرد واحد، نجد أن
محمد صلى الله عليه وسلم من خلال ذلك الامتياز الذي منحه الله إياه يرفع راية الحمد
لله ويمكنه عندئذ أن يشفع لأمته بأسرة لدخول الجنة. كما توحي بعض الأحاديث التي
تروي دخول المسلمين جميعا الجنة بشعور عام بإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم جمعاء
سوف تدخل الجنة بنفس الطريقة التي سيدخل بها أنبياء بني اسرائيل. إن تصور وجود إله
ظالم ونبي غير عادل على حد سواء لا يدع أمام المسلمين خيارًا آخر سوى الاحتماء
نفسيا داخل قوقعة من صنع أيديهم، الأمر الذي يعد خطأ جسيماً. وقد أدت فكرة تفرد
محمد صلى الله عليه وسلم وتميزه عن الأنبياء السابقين الى جعل البعض يصورونه على
أنه بطل طائفة دينية معينة، فهؤلاء ممن يظنون أنهم عندما يصورونه كبطل عظيم للأمة
المحمدية يقومون بالمبالغة في الثناء عليه كانوا في حقيقة الامر يمطرونه بوابل من
أشد وأسوأ أنواع الإهانات.
نبي العالمين العظيم الذي وصفه القران بأنه رحمة للعالمين- وكما اخبرنا المفترون،-
أنه عندما واتته المنية لم يكن قلقا سوى على أمته، فعلى فراش الموت ظل يردد أمتي
أمتي ، كما انه في يوم القيامة - كما روت الأحاديث- سوف يحسن استخدام حق الشفاعة
الذي منحه الله إياه لصالح امته. فإذا تم اعتبار النبي صلى الله عليه وسلم أنه شخص
يعمل في سبيل تحقيق الخير للأمة المحمدية فقط، فكيف يمكن توقع الخير من أتباعه
الذين من المفترض ان يحملوا رسالة خير للبشر أجمعين من بعده.